الصفحة 14 من 379

ولكن هذا الكتاب هو المنزل من عند الله لتقويم الحياة البشرية وإقامة الحق والعدل في الأرض"لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ .." [1] .

فإذا كان الكتاب الذي يحوي المنهج الرباني لإصلاح الحياة البشرية وإقامتها بالقسط يخصص هذا الحيّز الواسع للحديث عن العقيدة، فلا بد إذن أن تكون العقيدة هي محور ذلك الإصلاح كله، وأن يكون اهتمام القرآن بها آتيًا من أنها هي الوسيلة للغاية المطلوبة. ولو كانت هناك وسيلة أخرى غيرها أو مثلها -تؤدي إلى الإصلاح، كالتنظيم الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي .. الخ لأولاها القرآن هذه العناية. فإن الله سبحانه وتعالى وهو ينزل على عباده منهج إصلاحهم لن يضنّ عليهم بالوسيلة المثلى لذلك الإصلاح. ولقد حدثهم بالفعل في كتابه المنزل عن التنظيمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .. فهي ليست موضوعًا بعيدًا عن القرآن ولا غير وارد فيه. وإنما أعطى القرآن الأولوية العظمى لموضوع العقيدة قل كل شيء آخر لأن الله يعلم -سبحانه- أن هذا وحده هو السبيل الحقيقي لإصلاح البشرية، وكل ابتداء بغيره، أو مُضِيّ بدونه، عمل باطل لا يؤدي إلى شيء!

هناك أسئلة تلح على الفطرة -بوعي أو بغير وعي- لا تستطيع الفطرة أن تتخلص من ضغطها عليها وإلحاحها ..

من خالق هذا الكون؟

من مدبر الكون وومدبر الأحداث؟

من أين جئنا؟

إلى أين نذهب بعد الموت؟

لأي غاية نعيش؟

وهذه الأسئلة -قبل التنظيم الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي- هي التي تحدد مسار الإنسان في الأرض، وصورة وجوده عليها! كما تحدد له الإجابة على سؤال أخير من تلك الأسئلة التي تلح على الفطرة، وهو: على أي صورة وعلى أي منهج نعيش؟

ولقد زعمت المادية الجدلية والتفسير المادي للتاريخ أن الذي يشكل وجود الإنسان على الأرض ويعطيه صورته هو الوضع الاقتصادي أو الوضع المادي!

"في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محدودة لا غنى لهم عنها، وهي مستقلة عن إرادتهم .. فأسلوب الإنتاج في الحياة المادية هو الذي يحدد صورة العمليات الاجتماعية والسياسية والمعنوية في الحياة. ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم، بل إن وجودهم هو الذين يعين مشاعرهم" [كارل ماركس] .

"تبدأ النظرية المادية من المبدأ الآتي: وهو أن الإنتاج وما يصاحبه من تبادل المنتجات هو الأساس الذي يقوم عليه كل نظام اجتماعي. فحسب هذه النظرية نجد أن الأسباب النهائية لكافة التغيرات أو التحولات الأساسية لا يجوز البحث عنها في عقول الناس، أو في سعيهم وراء الحق والعدل الأزليين، وإنما في التغيرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل" [فردريك إنجلز] .

والمادية الجدلية تغالظ نفسها أو تغالط الناس بهذه المقالة وتلك، وتهرب من الواقع حين تزعم أنها"فيزيقية"بحتة، أي مادية خالصة ليس لها علاقة"بما وراء الطبيعة"أو"الميتافيزيقا"كما يسمونها في اصطلاحاتهم!

إنهم -وهم يضعون نظريتهم لتفسير الحياة وتفسير التاريخ- قد أجابوا بالفعل على تلك الأسئلة الميتافيزيقية"التي تلح على الفطرة البشرية ولا تستطيع الفطرة أن تتخلص من ضغطها وإلحادها!"

أجابوا بقولهم:"لا إله. والكون مادة!"

وأجابوا بقولهم: إن الحتمية المادية والحتمية الاقتصادية والحتمية التاريخية هي التي تدبر أمور الكون وتدبر الأحداث.

وأجابوا بقولهم: إن الإنسان نتاج المادة، وإليها يعود!

وأجابوا بقولهم: إننا نعيش لنؤدي دورنا المرسوم بحسب وضعنا المادي والاقتصادي، أي دورنا الذي تفرضه علينا"الحتميات"المادية والاقتصادية والتاريخية!

(1) سورة الحديد: 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت