والكون بدقته المعجزة ..
كلاهما توقيع هائل لا يمكن أن ينجو منه قلب إنسان ..
الكون بضخامته الهائلة التي لا تصل إلى مداها العيون .. بل لا تصل إلى مداها الأفكار! كان الإنسان ينظر بعينه المجردة فلا يصل إلا إلى أبعاد قريبة من الأرض، وأبعاد قريبة من السماء .. وكانت هذه وتلك تهوله بضخامتها!
ثم بدأ يصنع المناظير، فامتدت رؤيته في الأض، وأوغل ببصره في السماء .. فزادت ضخامة الكون في حسه، وظلت تتزايد مع كل منظار جديد، يكشف له من أغوار السماء خاصة ما لم يكن يراه من قبل ..
ثم تعدت الضخامة المحسوس .. وتحولت إلى أرقام!
هذا نجم يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية .. ويراه المنظار!
والحسبة التي تساوي أربعة آلاف سنة ضوئية حسية لا يتصورها العقل .. إلا عن طريق الأرقام!
ثم جاء المنظار الإلكتروني .. إنه يسجل أبعادًا لا تُرى! إنما تكتب فقط في لوحة الأرقام!
ضخامة لا يمكن أن ينجو من وقعها الحس، ولو أراد أن يتفلت، ولو كابر أمام الناس!
ويهتز وتر في القلب .. على هذه الضخامة الهائلة .. فتنطلق الفطرة تبحث: مَنْ وراء هذه الضخامة المعجزة؟ من الخالق؟
ثم تهتدي .. فتعرف الخالق على حقيقته .. أو تضل فتسميه"الطبيعة".. أو تسميه كائنًا من كان!
ومع الضخامة الهائلة دقة معجزة كذلك!
هذا الكون الضخم الهائل لا يتحرك خبط عشواء ..
إنه يسير في حركة دقيقة تبلغ حد الإعجاز ..
هذه الملايين، بل ملايين الملايين، من النجوم في الكون لا يلتقي اثنان منها في هذا الكون العريض، ولا يقع بينهما صدام .. إلا أن يشاء الله ..
كل في فلك يسبحون!
وتربطها جميعًا تلك الطاقة المعجزة التي تسمى"الجاذبية"..
تربطها بحيث تتحرك كلها في حركة منتظمة .. لا هي تتوقف ولا هي تصطدم .. إلا أن يشاء الله!
والشمس والقمر بحسبان!
حسبان دقيق لا يخطئ
تستطيع أن تنشئ جداول فلكية تحسب فيها الكسوف والخسوف لألف عام ... ما لم يغير الله نظام الكون!
بل الكون هو الساعة العظمى التي تضبط عليها الساعات الفلكية الدقيقة .. التي تحسب الوقت بالساعة والدقيقة والثانية والثالثة (واحد من ستين من الثانية) .. بل هناك اليوم ساعات تحسب بجزء من مائة ألف جزء من الثانية .. مضبوطة كذلك على الأفلاك!
ثم ..
هذا العصفور الجميل الذي يسقسق في الفضاء!
هل سمعت هذه السقسقة ذات الأنغام الدقيقة البالغة الدقة!
وهذا الطائر الملون الريش ..
هل رأيت كل ريشة مفردة كيف لُوّنت؟ كيف تداخلت الخطوط والألوان على مئات أو ألوف من الشعيرات كل تأخذ مكانها في اللوحة الدقيقة البالغة الإعجاز؟!
والزهرة الدقيقة الملونة .. والكائن الدقيق الذي لا يكاد يرى بالعين وهو حيّ مكتمل الحياة!
أي إعجاز في تلك الدقة البالغة في ذلك الكون الضخم الذي يروع بضخامته الحس والأبصار؟!
وأي قلب يمكن أن ينجو من توقيعات تلك الدقة المعجزة ولا ينبعث يبحث عن الله .. سواء ضل بعد ذلك أم وصل إلى هداه؟!
الموت والحياة كذلك من الإيقاعات المؤثرة في أوتار القلب البشري ..
في مرحلة الطفولة ذات الحيوية الفائقة والخيال الذي لا يميز الحقيقة، يتصور الطفل الحياة في كل شيء بغير تمييز .. حتى الحائط .. حتى الأرض .. فضلًا عن اللعبة المصورة على شكل حيوان أو إنسان .. وحين يقع على الأرض أو يصطدم بالحائط وتؤلمه الصدمة يتصور أن الأرض هي التي ضربته! ولذلك يرضى رضًا حقيقيًا حين تأتي أمه فتنتقم له بأن تضرب الأرض بيدها! ويتصور أن ضربة الأم لها قد أوجعتها كما أوجعته هي .. فيكف عن البكاء!