وحين يكبر قليلًا يبدأ يميز بين الأشياء، فيعرف أن القطة والكلب والكتكوت والعصفور أحياء حقيقية، لأنها تأكل وتشرب وتتحرك مثله .. أما اللعبة والعصا وغيرها فليست حية حقيقية .. ولكنه مع ذلك -لفرط حيويته وسعة خياله- يضفي على هذه الكائنات الجامدة حياة من عنده .. ثم يصدقها! فهو حين يكلم اللعبة أو يضربها أو يربت عليها لا يتعامل معها على أنها جامدة .. إنما هي حية أو شبه حية، في خيال لا يميز تمامًا بين الحقيقة والخيال .. وحتى حين يكبر عن ذلك ويركب العصا على أنها حصان، ويضربها لتجري، ويعلم أنه هو الذي يجري في الحقيقة لا العصا .. حتى عندئذ فهو يعلم الحقيقية ولكنه يحب أن يخلع الحياة على هذه العصا الجامدة ويحبّ أن يرى الخيال كأنه حقيقة!
ولكنه يفاجأ يومًا بحادثة الموت .. حادة عنيفة في حسه ..
يفاجأ بها في موت القطة التي يلعب بها، أو في عصفور ميت .. أو في أحد أقربائه ..
يفاجأ بأن القطة أو العصفور لا يتحرك .. ويحاول أن يطعمه أو يسقيه فلا يستجيب .. ويسأل عندئذ: لماذا لا يتحرك ولا يأكل ولا يشرب؟ فيقال له: إنه مات ..
عندئذ تحدث المفاجأة الضخمة! .. مات؟ ّ وما معنى الموت؟
ويتعلم أن معناه فقد الحركة والقدرة على أن يأكل ويشرب وينطق .. ومعناه أنه سيغيب عن عالمه فلا يعود ..
هذه الصدمة الحادة التي تحزنه حزنًا بالغًا لا تغيب عن حسه بعد ذلك أبدًا .. لأنها تتكرر -ولا بد أن تتكرر- فتغيّب عن عالمه أشخاصًا أو أشياء عزيزة عليه .. ويظل في كل مرة يلدغه الألم على فراقها ..
ويكبر الطفل ويكبر .. فلا تزول عنه هذه الآثار بل تتعمق .. وكلما كبر وازدادت روابطه توثقًا مع الأشخاص والأشياء زاد تأثره بمن يغيب منها عن الوجود ..
هذه الظاهرة، ظاهرة الموت والحياة، عميقة الأثر جدًا في حياة البشر ومشاعرهم .. لا ينجو منها حتى أبلدهم حسًا .. ولا يمكن أن تمر في حياتهم بغير اهتزاز يطول أو يقصر ..
ثم لا يمكن أن تمر دون أن توقظ في حسهم سؤالًا عما وراء هذه الظاهرة العميقة التأثير ..
كيف تحدث الحياة؟ تلقائية؟ وكيف تكون تلقائية؟ أليس لا بد لها من موجد يمنح الحياة؟
ولماذا تتوقف؟ لماذا يحدث الموت؟ لماذا لا تعيش الأحياء إلى الأبد محتفظة بكل حيويتها؟
وماذا وراء الموت؟ هل هي النهاية؟ ألا تعود الحياة إلى الكائنات أبدًا .. في أية صورة من الصور؟
تلك التساؤلات التي لا ينجو من وقعها الكائن البشري، هي توقيعات مؤثرة في أوتار القلب، نبعثه يبحث عن الخالق المحيي المميت .. الذي يمنح الحياة ويأخذ الحياة .. ثم يهتدي فيعرف الله على حقيقته، أو يضل فيتصوره قوة من القوى، أو شيئًا من الأشياء ..
الأحداث الجارية التي لا تكف عن الحدوث والتتابع .. هي أيضًا ذات توقيعات على أوتار القلب البشري ..
كيف تحدث الأحداث؟ ماذا وراءها؟ ومَنْ وراءها؟
تحدث خبط عشواء؟ أم تحدث بتدبير؟ وما سر التدبير وما حكمته؟
هذا الطفل الوليد الذي يموت وأهله في لهفة حادة إلى وليد .. وذلك الشيخ الذي وصل إلى أرذل العمر ولما يتزحزح بعد!
هذا الشاب الذي مات في عنفوان شبابه ووراءه أسرة كان يعولها لا عائل لها -في المنظور غيره .. وذلك المريض الذي لا يقوى على الحركة ولا يأتيه الموت بعد!
هذا الحادث الذي أصاب السيارة فنجا منه فلان .. وفلان إلى جواره تمامًا لم يبق منه جزء على جزء!
هذا الغنيّ الذي لا يعرف لأمواله حصرًا ولا لإنفاقه حدودًا .. وهذا الفقير الذي لا يجد قوت يومه ..
هذا الذي يُرزق الأولاد والأحفاد حتى تفيض عن طاقة مشاعره .. وذلك الذي يتلهف على ولد واحد يخلفه في الحياة ..
هذا الملك الذي هوى .. والملك الذي احتل مكانه ..
تلك الأيام المتداولة بين الناس ..