هل هي خبط عشواء؟ هل وراءها سر؟ هل يحكمها تدبير .. ؟
ومن صاحب التدبير؟!
ألا إنها لشيء محيّر .. حتى أبلد الناس حسًا لا ينجو من الحيرة منه .. والتفكير فيه ..
ثم يروح يتساءل: من وراءا الأحداث؟ وماذا وراء الأحداث .. ثم يهتدي إلى الله الحق، أو يضل في التيه ..
عجز الإنسان الدائم يلجئه إلجاء إلى التفكير في القدرة التي لا يعجزها شيء ..
يولد الطفل عاجزًا عن كل شيء .. ولولا أمه ترضعه، وتأخذه في حضنها، وتقضي له حوائجه كلها ما أمكن أن يعيش ..
ثم يبدأ يحس بالقدرة على بعض الأشياء ..
يبدأ يحرك أصابعه .. ويحرك يده .. ويحرك عضلات ساقيه وأصابع قدميه .. ويحرك رأسه .. ولكن هذا كله داخل حضن الأم ما يستطيع أن يغادره بعد ..
ثم يحس بمزيد من القدرة .. فهو الآن في خارج الحضن يتحرك بعض الحركات ..
ويفرح فرحًا هائلًا ولا شك بمقدرته تلك .. ولكنه يتطلع إلى المزيد ..
ويأتي يوم يحبو فيه على الأرض .. إنه يتطلع إلى الوقوف والمشي!
ثم يقف ويمشي يترنح ويسقط ثم يعود فيقوم .. إنه يتطلع إلى الوقوف الثابت والمشي المتمكن ..
ويصل إلى ذلك ذات يوم .. إنه يريد أن يطول النافذة وأكرة الباب ..
ويطول هذه وتلك ذات يوم .. ثم يتطلع إلى مزيد من القدرة ومزيد من القوة ومزيد من التمكن ..
ويكبر .. كما شاء الله أن يكبر .. ويبلغ من القوة مداه .. فهل يتوقف عن التطلع لحظة، ويكتفي بما وصل إليه من التمكين؟
كلا إنه ليحس بمزيد من العجز كلما بلغ مزيدًا من القدرة!!
إن تطلعاته لا تقف عند حد. وكلما توصل إلى شيء من القدرة أغراه ذلك بالتطلع إلى المزيد، فيحس بالعجز عن ذلك المزيد .. ويحاول من جديد .. ويصل إلى شيء مما يريد .. فيتطلع .. فيحس بالعجز ..
لقد فجر الطاقة النووية .. ووصل إلى القمر .. وقد يصل غدًا إلى أغوار جديدة في الكون الفسيح ما كان يحلم بها من قبل .. فهل أشبعه ذلك كله فكف عن التطلع؟ أو أرضاه فلم يعد يحس بالعجز؟ ..
كلا! إنه في الحقيقة يريد ألا يعجز أبدًا! يريد أن تكون له السيطرة الكاملة على كل شيء .. يريد أن يقول للشيء كن .. فيكون! ولكنه يعرف أن ذلك لن يكون!
لذلك فما فتىء يحس بالعجز، مهما وصل إلى الأفلاك، ومهما سخّر من الطاقات!
وعجزه الدائم ذلك يلجئه إلجاء إلى التفكير في تلك القدرة التي لا يعجزها شيء، من وراء هذا الكون الهائل الذي لا يقدر هو على شيء منه. إلا فُتاتًا من القدرة لا يغنيه .. ولا يرضيه ..
عندئذ ينطلق يبحث عن تلك القدرة القادرة .. فيهتدي .. أو يمعن في الضلال البعيد ..
الرغبة في استكناه الغيب رغبة حادة ملحة لا يتجو منها بشر في الأرض ..
والعجز عن استكناه الغيب أمر لا مفر من الشعور به في القلب البشري ..
ويروح الناس -منذ القدم- يحتالون على معرفة الغيب، ويحاولون استشفاف ما يأتي به الغد القريب أو البعيد ..
لجأوا إلى الكهانة والعرافة والتنجيم .. وراحوا يستلهمون الرؤى .. ويستلهمون الأحاسيس الباطنة في داخل النفس، التي لا تعتمد على منطق واضح ولكنها تشبر ..
لجأوا إلى كل وسيلة يحاولون بها إزاحة الستر عن الغيب المحجوب عن الأعين .. المغلف بالأستار ..
ولم يصلوا قط إلى يقين ..
كل ما يصلون إليه تكهنات تخطئ أو تصيب ..
ويظل العجز باقيًا كما هو .. حادًا كما هو .. والهفة لا تريم ..
إنه ليس عجزًا عن استكناه الغد البعيد وحده .. ولا الغدر القريب وحده .. بل هو عجز عن استكناه ما يحدث بعد ساعة واحدة من الزمان .. بل بعد لحظة .. بل في هذه اللحظة التي أطل جزء منها من عالم الغيب، وبقيتها مغلفة بالأستار!