الصفحة 19 من 379

هكذا يتبين لنا كيف انتقلت تلك"المعلومات"من حالتها الآسنة الميتة الباردة، لتصبح نبضًا حيًا في القلب، لتتحول من ثم إلى سلوك واقعي! ويتبين لنا كذلك الفرق بين معرفة الرجل الجاهلي بأن الله موجود وخالق، والتي قال الله عنها:"وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" [1] وبين معرفة الرجل المؤمن بهذه الحقيقة ذاتها، فندرك لماذا سمّى الله عرب الجاهلية"الذين لا يعلمون"رغم معرفتهم بتلك المعلومات التي سجلها عليهم، ولماذا قال سبحانه:"هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" [2] كلا! إنهم لا يستوون!

وإذا تتبعنا كل ما كان عند العرب من"معلومات"عن الله سبحانه. نجد القرآن قد عاملها ذات المعاملة. سجل عليهم علمهم بها، لا ليعتبره علم، ولا ليبدأ منه ثم يكمل .. كلا! بل ليمحوه محوًا، ويبدأ من جديد .. من ذات المعلومات، ولكن بطريقته الخاصة التي تحولها إلى نبض حي وسلوك واقعي! إنه في الواقع يستنبت بذرة جديدة في قلوبهم، قد تكون فيها مشابه من البذرة الأولى التي كانت موجودة من قبل، ولكنها غيرها على وجه التأكيد! إن القديمة أسنت وتعفنت فما عادت تصلح للاستنبات! وهذه غيرها .. جديدة تمامًا .. تستنبت من جديد .. بعد تحريك القلب لينبض، ليمد البذرة الجديدة بالقوة والنماء ..

لذلك .. فما أضل الذين يكتبون مدافعين عن العرب في الجاهلية بقولهم إنه كانت عندهم حضارة و"معلومات"! يريدون ليقولوا -بل بعضهم يقول بالفعل- إنهم لم يكونوا جاهلين!

ما أضلهم إذ يقيسون الأمر بالمعلومات!

فهل كان عند العرب من المعلومات ما عند أوربا اليوم في القرن العشرين؟! ومع ذلك فأوربا اليوم قي قمة الجاهلية، عن طريق هذه المعلومات بالذات! لأنهم، كما يقول القرآن،"فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ" [3] و"نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ" [4] وأضلهم وأشقاهم .. بعلمهم الذي يتيهون به، فيتيهون فيه!

إنها ليست المعلومات كما أسلفنا .. ولكنها طريقة المعرفة .. طريقة تؤدي إلى عبادة الله؟ .. أم تؤدي إلى عبادة الشيطان؟!.

قلنا إن العقيدة هي الموضوع الرئيسي أو الموضوع الوحيد في السور المكية كلها.

والباب الأكبر للعقيدة هو التعريف بالله، بالطريقة القرآنية التي تحول المعلومات إلى نبض حي وسلوك .. وسنتحدث إن شاء الله بشيء من التفصيل عن طريقة القرآن في التعريف بالله، والأوتار التي يوقع عليها في القلب البشري ليوقظه إلى حقيقة الألوهية وحقيقة الربوبية، فيتوجه إلى الله بالعبودية الحقة، ويستقيم على أمر الله.

ولكنا هنا نقول في مقدمة الفصل: إن التعريف بالله سبحانه، وإن كان أكبر أبواب العقيدة، إلا أنه ليس الباب الوحيد الذي يستخدمه القرآن لتثبيت العقيدة وتمكينها. فهناك إلى جانب ذلك: الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالكتب والرسل والنبوات والوحي .. ، وهناك قصص الأنبياء، وهناك قصة آدم وقصة الشيطان مع آدم، وهناك الأخلاق الإيمانية التي ينبغي التخلق بها بدلًا من الأخلاق الجاهلية التي ينبغي نبذها .. وكل أولئك يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة، ويؤكدها ويرسخها، بحيث يعتبر بابًا من أبوابها.

وفيما يلي من الحديث تفصيل لتلك الأبواب الستة الكبرى من أبواب العقيدة، وبيان الارتباط بين كل منها وبين العقيدة الصحيحة التي جاء القرآن ليبينها للناس ...

(1) سورة لقمان: 25.

(2) سورة الزمر: 9.

(3) سورة غافر: 83.

(4) سورة الحشر: 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت