وهكذا يربط القرآن هذا السلوك الجاهلي بالتصور الجاهلي الفاسد .. ويبرز ذلك السلوك الفاسد ابتداء ليصل منه في النهاية إلى الأصل الذي نبع منه وهو التصور الفاسد للألوهية والربوبية ..
فإذا انتقلنا إلى سورة تالية بعد"العلق"وهي سورة"القلم"وجدنا نفس التوكيد على المعنى ذاته:
"ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ، بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ، وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ، هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ، أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ" [1] .
فهنا -كما هناك- إبراز واضح للعنصر الأخلاقي من الجانبين: جانب الإيمان وجانب الكفر.
فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يقال له:"وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ". وقد تكون هذه خصوصية للرسول -صلى الله عليه وسلم- من حيث الدرجة:"على خلق عظيم"أما من حيث كونه -صلى الله عليه وسلم- على خلق، فذلك من خصوصيات الإيمان التي يبرزها السياق القرآني في مواجهة"أخلاقيات"الكفر في الجانب الآخر:"حَلَّافٍ مَّهِينٍ، هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ ..".
وكأنما يقدم السياق القرآني مواجهة كاملة بين أخلاقيات الإيمان وأخلاقيات الكفر، ممثلة في شخصين: شخص الرسول -صلى الله عليه وسلم- ممثلًا للإيمان، وشخص الوليد بن المغيرة الذي نزلت فيه هذه الآيات ممثلًا للكفر، أحدهما في القمة من الأخلاق لأنه في القمة من الإيمان، والآخر في الحضيض من الأخلاق لأنه في الدرك الأسفل من الكفر ..
وواضح أن هناك مقابلة بين الإيمان ذاته وبين الكفر:
فمن جانب:"مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ" [أي أنك مؤمن بربك على وعي وإدراك. والرسالة حق، والوحي حق، والبعثة حق، وليس قولك للناس إنك نبي مرسل أثرًا من آثار الجنون، إنما هو حقيقة] .
ومن الجانب الآخر:"فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ".
ولكن هذه المقابلة العقيدية لا تعرض من خلال تصور اعتقادي فحسب -على أهمية التصور الاعتقادي في ذاته- وإنما تعرض في صورة سلوك خلقي في ذات الوقت، وبتوسع ملحوظ في جانب الكفر، الذي يركز عليه السياق.
وأحيانًا نتصور أن هناك ملابسات محلية في سير الدعوة هي التي تطلبت هذا العرض في السياق أو ذاك .. كتعرض أحد كبار المشركين للرسول -صلى الله عليه وسلم- بالأذى، وتصدي القرآن للمنافخة عنه، أو تكتل قريش كلها لعملية الإيذاء وتصدي القرآن للرد عليها ..
ولا شك أن الملابسات المحلية كان لها في علم الله السابق مقتضيات .. وأن الله قد أنزل آيات معينة بشأنها .. ولكن الملابسات العارضة قد انتهت، وبقي القرآن! بقي كما هو في اللوح المحفوظ، لم تنسخ منه تلك الآيات التي نزلت بشأن الملابسات العارضة .. وإذن فهي أصل دائم، لا يتعلق بالمناسبة المعينة التي نزلت فيها الآيات، إنما يتعلق بحالات دائمة في حياة البشرية .. يتعلق بالكفر والإيمان، وأخلاقيات الكفر وأخلاقيات الإيمان.
(1) سورة القلم: 1 - 16.