ومهما يكن من أمر الملابسات العارضة، فإن كون القرآن يندد بالمكذبين من جهة سلوكهم الأخلاقي، ويبرز من المؤمنين جانبهم الخلقي، هو ذاته الشيء الذي له دلالة في الموضوع .. ودلالته أن هذا الدين يربط ربطًا كاملًا بين التصور الاعتقادي والسلوك الخلقي، سواء من جانب الكفر أو من جانب الإيمان.
فإذا انتقلنا إلى سورة أخرى مما نزل في السنوات الأولى للدعوة، كسورة"الفجر"، وجدنا استمرارًا لنفس الخط:
"وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ، فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ، كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا، كَلَّا ..." [1] .
إن مقدمة السورة -بعد القسم الذي يمهد للإشعار بأهمية ما يجيء بعده -تتحدث عن مصارع الأمم السابقة المكذبة: عاد وثمود وفرعون، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب .. وذلك من باب التهديد لقريش، المستعلية في الأرض، المستكبرة على الإيمان، الطاغية كطغيان عاد وثمود وفرعون، وإن كان ما بيدها من متاع الحياة الدنيا، الذي يُنْسي فيُطْغي، لا يقاس بشيء إلى ما كان عند هؤلاء كما جاء في سورة سبأ:
"وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ" [2] .
وكما يوحي السؤال الاستنكاري في سورة القمر، بعد الحديث عن عاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون:
"أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ" [3] .
هذا التهديد يأخذ صورته الصريحة في قوله تعالى:"إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ".. أي إنه بالمرصاد لقريش، يفعل بها ما فعل بالمكذبين من قبل، المعروف تاريخهم -إجمالًا على الأقل -عند العرب، بحيث يكفي التذكير:"أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ..".
والمفروض بطبيعة الحال أن التهديد يأتي بسبب التكذيب العقيدي الذي تمارسه قريش وتصر عليه .. ولكن كيف يقول السياق؟
إنه يعرض قضية تبدو -في ظاهرها- بعيدة الصلة بقضية الاعتقاد في الله الواحد، التي هي المشكلة الأصيلة بالنسبة لقريش التي تقول:"أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ" [4] .
القضية هي موقف الإنسان -الجاهلي- من عطاء الله إن وسع عليه في الرزق وإن قدر عليه رزقه:
(1) سورة الفجر: 1 - 21.
(2) سورة سبأ: 45.
(3) سورة القمر: 43.
(4) سورة ص: 5.