الصفحة 98 من 379

فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه وبسط له في الرزق فإنه كما يقول عنه القرآن في سورة"هود": فرح فخور! لا ينظر إلى النعمة على أنها ابتلاء من عند الله، كما أحس العبد المؤمن سليمان عليه السلام فقال:"هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ" [1] . إنما"يفرح"بما بين يديه من الرزق (وتعبير القرآن بالفرح لا يعني السعادة إنما يعني الخيلاء والاستكبار في الأرض بغير الحق) وينسى أنه ابتلاء، ويتوهم أن الله أعطاه لأنه راض عنه"فيقول: ربي أكرمن!"وإذًا فلا عليه أن يتصرف في ماله كما يشاء! يعيث به في الأرض فسادًا، ويرصده لخدمة الشيطان .. ويطغى ما دام توهم أنه استغنى!"كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى" [2] .

وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فهو كما يصفه القرآن في سورة"هود"أيضًا:"يئوس كفور .."فيقول ربي أهانن!"ولا يصبر للضائقة حتى تمر، ولا يتوجه إلى الله ليرفعها عنه، بل يولي ظهره لله قانطًا من رحمته كافرًا به .."

إنه في كلا الحالين إذًا يتصرف تصرفًا معينًا مبنيًا على تصور خاطئ. والسياق يبرز الجانب السلوكي المنحرف الذي يترتب على التصور المنحرف، وإن كان التصور الفاسد هنا لا يتعلق بوحدانية الله إنما بتدبير الله والحكمة الكامنة وراء التدبير.

ثم يمضي السياق فيندد بالسلوك الجاهلي تجاه المال، المتسم بالشح على الضعفاء والمساكين، والافتئات على أصحاب الحق في هذا المال:

"كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا".

وكلها انحرافات أخلاقية، تنبع من قلب لا يخشى الله ولا يتقيه، ولا يحس أن المال مال الله ابتداء، وأنه الله يمنحه لخلقه -على سعة أو ضيق- ليبلوهم فيما آتاهم، وينظر كيف تكون مشاعرهم وسلوكهم تجاه ما أعطاهم. إنما يجعل المال هدفًا في ذاته، فيتحول الاستحواذ عليه إلى شهوة متسلطة تستعبده وتفسد مشاعره وسلوكه.

فالأصل في هذه التصرفات جميعًا هو انحراف في التصور الاعتقادي، ولكن القرآن يبرزه من خلال الجانب السلوكي الأخلاقي، ليؤكد أن انحراف التصور يتبعه انحراف حتمي في السلوك.

فإذا جئنا إلى آخر سورة نزلت في مكة، وهي سورة"المطففين"وجدنا نفس التوكيد على الجانب السلوكي:

"وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ، كِتَابٌ مَّرْقُومٌ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ، الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ" [3] .

تبدأ السورة بالتنديد بهذا السلوك الأخلاقي المنحرف الذي يزاوله المطففون الذين يستوفون حقوقهم كاملة إذا كانوا هم المشترين. أما إن كانوا هم الذين يبيعون فإنهم يُخْسِرون الكيل والميزان ليأخذوا ما لبس حقًا لهم، ويستحوذوا بالباطل على مزيد من المال ..

(1) سورة النمل: 40.

(2) سورة العلق: 6 - 7.

(3) سورة المطففين: 1 - 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت