إنه مرة أخرى سلوك جاهلي منحرف إزاء المال، يتسم بالجشع والافتئات على حقوق الآخرين من أجل تضخيم الثورات. ونابع كذلك من انحراف في التصور الاعتقادي، إذ لا يخطر في بال هؤلاء أنهم مبعوثون لذلك اليوم العظيم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين فيحاسبهم على أعمالهم في الدنيا، بل إنهم ليكذبون صراحة بيوم الدين، ويقولون عن الآيات التي تذكرهم به إنها أساطير الأولين! وهذا هو انحرافهم العقيدي الأصيل الذي يبرزه السياق، ولكنه يبرزه بادئ ذي بدء من خلال سلوك أخلاقي منحرف، ويصل في النهاية إلى جذوره العقيدية الفاسدة ..
هذه العناية الواضحة بإبراز الجانب السلوكي الأخلاقي للعقيدة المنحرفة، يقابلها عناية واضحة كذلك بإبراز السلوك الأخلاقي الصحيح، المصاحب للعقيدة الصحيحة:
"قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" [1] .
فالسورة تبدأ بتقرير الفَلاح للمؤمنين بهذا التوكيد:"قد أفلح المؤمنون"ثم تصف هؤلاء المؤمنين ذلك الوصف المطول المفصل الذي يُعْنى بإبراز الجانب السلوكي لأولئك المؤمنين موحيًا إيحاء واضحًا أن هذه الأخلاقيات من جهة هي ثمرة الإيمان، وأن الإيمان -من جهة أخرى- هو سلوك عملي ملموس يترجم عن العقيدة المكنونة.
إنهم بادئ بدء خاشعون في صلاتهم. فذلك أول مظهر للمؤمن الصادق: أن تكون صلاته -وهي اللحظة التي يقف فيها متعبدًا لربه، ذاكرًا له في قلبه، متصلًا به بروحه -تكون صلاته هذه خاشعة بما ينبئ عن صدق الصلة بالله، التي يرتفع نبضها وحرارتها في أثناء الصلاة.
ثم تثني السورة بصفة سلوكية أخرى ذات دلالة، هي أنهم عن اللغو معرضون. فاللغو لا ينبئ عن نفس جادة. والإيمان الصحيح يورث النفس الحد، بما يشعرها من ثقل التكليف وجديته. والجد ليس تقطيبًا دائمًا ولا عبوسًا. ولكن اللغو من جانب آخر لا يستقيم مع جدية الشعور بعظم الأمانة التي يحملها الإنسان أمام خالقه.
ثم إن هؤلاء المؤمنين لا بد أن تكون في قلوبهم الحساسية لحق الله في أموالهم، وهو الزكاة، وهو الحق الذي تعبر عنه سورة المعارج أيضًا:"وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ" [2] وذلك في مقابل:"كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا" [3] .
ولا بد أن يكونوا ملتزمين بأوامر الله في علاقات الجنس فلا يتعدون حدود الله. وملتزمين بأوامره في علاقاتهم"الاجتماعية"فيحفظون الأمانة ويرعون العهد.
ثم يعود السياق للصلاة مرة أخرى، من ناحية المحافظة عليها في مواعيدها هذه المرة، بعد أن ذكر صفتها الواجبة من قبل.
وينتهي السياق ببيان مكان أولئك المؤمنين يوم القيامة: في الفردوس، يرثونها، كأنها حق لهم محفوظ!
(1) سورة المؤمنون: 1 - 11.
(2) سورة المعارج: 24 - 25.
(3) سورة الفجر: 17 - 19.