نقرؤه لنتخير منه مواعظ أخلاقية نعظ بها أنفسنا أو نعظ بها الناس؟
فلنصنع من ذلك ما شئنا .. لا ضير.
فأيًّا كان هدف التلاوة فقد كتب الله عليها الأجر، طالما كان التوجه فيها إلى الله والرغبة فيها إلى الله ..
ولكن الأجر يتفاوت ولا شك على قدر ما في التلاوة من التدبر الذي أمر به الله، وعلى قدر ما يؤدي التدبر إلى الغاية المطلوبة منه، فليس التدبر غاية في ذاته، إنما هو وسيلة لأمر عظيم يراد:
"فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ، اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ..." [1] .
وذلك هو الأمر العظيم المراد: أن يتحول الاستماع إلى القرآن وتلاوته والتأثر الخاشع به إلى"هدى".. إلى سلوك ملتزم بما أنزل الله في الكتاب ..
بعبارة أخرى: يتحول إلى منهج حياة.
إن القرآن هو دليل المرحلة للإنسان في هذه الحياة.
وكما يستصحب المسافر معه دليل الرحلة ليعرف منه من أين يبدأ وأين ينتهي وكيف ينعطف به الطريق، فكذلك ينبغي للمسلم في رحلته على هذه الأرض أن يستصحب معه دليل رحلته، قرآنه، ليعرف من أين يبدأ وأين ينتهي وكيف ينعطف به الطريق.
وكما أن دليل الرحلة يقي المسافر حين يرجع إليه من أن يضل طريقه، ويوفر عليه جهده أن يضيع بلا طائل وهو يضرب في التيه، فكذلك القرآن مع المسلم يقيه من أن يضل في حياته الدنيا ما دام يرجع إليه، ويبين له طبيعة المواقف والقضايا التي تقابله في رحلته على هذا الكوكب، فيزيل عنه الاضطراب والحيرة، ويمنع جهده أن يضيع في التيه.
فلننظر بادئ ذي بدء ما الذي يقوله الدليل.
إنه كما أسلفنا يجيب بادئ ذي بدء على تساؤلات الفطرة الملحة، التي يتعرض لمواجهتها البشر كلهم على السواء، مؤمنين كانوا أو كافرين، مهتدين في الرحلة أو ضائعين، واعين لورودها في أنفسهم أو غير واعين!
من خالق هذا الكون؟
من مدبر الكون ومدبر الأحداث؟
من أين جئنا؟
إلى أين نذهب بعد الموت؟
لأي غاية نعيش؟
على أي منهج نعيش؟
والإجابة على هذه الأسئلة -أيًّا كان نوع الإجابة- هي التي تحدد للإنسان منهج الحياة.
فإذا كانت الإجابة كإجابة الشاعر الجاهلي المعاصر"إيليا أبو ماضي":
جئت لا أعلم من أين ولكنّي أتيت ..
ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت ..
فإنها تمثل ولا شك حيرة الجاهليات كلها وضلالها حين تفقد النور الذي تستضيء به في الطريق، ثم ترسم منهج حياتها مفصلًا على قدّ هذا الضلال الذي تسير فيه.
والقرآن -بادئ ذي بدء- يقدم الإجابة الصحيحة على تساؤلات الفطرة، ويرسم من ثم منهج الحياة الصحيح.
ويهتم القرآن اهتمامًا خاصًا بالسؤال الأول من أسئلة الفطرة:"من خالق هذا الكون"؟ لأن الله سبحانه وتعالى يعلم أنه سؤال رئيسي ومحوري. وأن الضلالة الكبرى تجيء من الإجابات الضالة على هذا السؤال الأكبر، وأن الهدابة الكبرى تجيء من معرفة الإجابة الصحيحة على هذا السؤال بالذات.
ومن ثم نجد أن قضية الألوهية هي محور القرآن كله وأوسع أبواب الحديث فيه.
ولكن القرآن -مع عنايته الفائفة بهذه القضية- يرد كذلك على التساؤلات الأخرى: من أين جئنا، وأين نذهب بعد الموت، ولأي غاية وعلى أي منهج نعيش .. فيعطي حديثًا مفصلًا عن قضية"الإنسان"بعد الحديث المفصل عن قضية الألوهية.
(1) سورة الزمر: 17 - 23.