الصفحة 368 من 379

أو قل إن القضيتين الرئيسيتين هما قضية الألوهية من جهة، وقضية العبودية من الجهة الأخرى، التي يشترك فيها الإنسان والكون والحياة .."كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ" [1] ، ويقوم الإنسان بالدور الأكبر فيها والدور الأهم، لأنه الكائن الذي حُمِّلَ الأمانة بين الكائنات كلها التي أشفقت من حملها والنهوض بها:"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ .." [2] .

والعقيدة هي موضوع القرآن الأكبر.

وما بنا أن نكرر هنا ما قلناه من قبل على صفحات الكتاب.

ولكنا -ونحن نحاول الإجابة على هذا السؤال- كيف نقرأ القرآن؟ -لا بد أن نستصحب في وعينا هذه الحقيقة: أن القرآن لم يهتم هذا الاهتمام كله بقضية العقيدة لأنه كان يواجه العرب المشركين المنكرين للا إله إلا الله. فقد سبق أن قلنا على صفحات الكتاب إنه يواجه المؤمنين بذات القضية، ويهتم -بالنسبة إليهم- بعرضها والتذكير بها ذات الاهتمام.

إنما يهتم القرآن بالقضية لأنها قضية الحياة بالنسبة للإنسان. ولأن ضلال البشرية في التاريخ كله جاء من خلال انحرافاته المختلفة في هذه القضية. وأن الإنسان عرضة دائمًا، لا في الجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية فحسب، بل الآن وفي كل آن أن ينحرف في تصوره لهذه القضية وفي ممارستها كذلك، فيقع الاضطراب في حياته بقدر هذا الانحراف.

يجب -بإيجاز- أن نستصحب في وعينا هذه الحقيقة ونحن نقرأ القرآن: أن هذه القضية -قضية الألوهية- ليست من قضايا الماضي الذي كان. إنما هي قضية اللحظة وكل لحظة. إنها قضيتنا نحن. والخطاب فيها لنا نحن بالذات، لا لقوم آخرين كانوا، ولا لقوم غيرنا الآن. ولكن لنا. لكل فرد فينا. لأن كل فرد فينا عرضة لأن ينسى، وعرضة -في كل لحظة- أن يضطرب فهمه وممارسته لحقيقة العقيدة حين يصطدم بضغوط الحياة من كل جانب، وبالعداوات المرصودة للإسلام في كل مكان، ما لم يستصحب القرآن معه في قلبه وفي فكره، ويجعله المرجع الذي يرجع إليه في هذا المجال.

بل يجب أن نستصحب في وعينا حقيقة أخرى: أننا نحن -الذي نطلق على أنفسنا لقب"المسلمين"في هذا العصر- أحوج الناس إلى تدبر القرآن ومصاحبته في هذه القضية بالذات، بعد أن ضعف وعينا بها، واستحالت كلمة تقال باللسان والقلب غافل عن مقتضياتها، وفي مقدمة مقتضياتها التحاكم إلى شريعة الله!

إن هذه القضية اليوم -في العالم الإسلامي المعاصر الذي أدركته جاهلية القرن العشرين فأبعدته عن مقتضيات عقيدته -هي قضية الساعة، التي ينبغي أن يركز المسلم اهتمامه عليها ليستقيم له إسلامه بصفته فردًا، وبصفته بعد ذلك جماعة وأمة.

ومن ثم فبالإضافة إلى السبب الدائم الذي يجعل قضية الألوهية هي قضية كل لحظة في حياة الإنسان، يوجد سبب إضافي يعانيه العالم الإسلامي المعاصر، ويوجب على كل منا أن يقرأ القرآن في قضية الألوهية على أنه هو المخاطب بها بالذات، وليس درس مطالعة (قراءة) يقرأ فيه عن عصر من التاريخ فات.

والقرآن -بعد- هو كتاب التربية والتوجيه لهذه الأمة.

إنه هو الذي أنشأ"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ". هو منهج التربية الذي تربى عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وربّى عليه أمته من بعد. فينبغي لنا أن نقرأ القرآن على هذا الأساس: أنه هو الذي يضع لنا منهج تربيتنا، وهو الذي يربينا في ذات الوقت.

(1) سورة الروم: 26.

(2) سورة الأحزاب: 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت