الصفحة 369 من 379

إن هذا الدين كما قلنا أكثر من مرة في هذا الكناب ليس شعارات، وليس مُثُلًا معلقة في الفضاء، وليس قيمًا فكرية تُتَملى بالذهن .. ولكنه واقع يعاش. وهذا هو التوجيه"التربوي"الأكبر في القرآن:

"الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ..".

"إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاق ..".

"لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ..".

"فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى ..".

ما من موضع في القرآن يخلو من هذا التوجيه .. أن الإسلام ليس مشاعر إيمانية فحسب، فضلًا عن أن يكون كلمة تقال باللسان! ولكنه عمل كذلك بمقتضى الإيمان.

وإذا كان الإسلام كذلك، فقد تولى القرآن مهمة تربية الأمة الإسلامية لتكون مسلمة بالفعل، أي تمارس إسلامها في عالم الواقع.

رباهم أولًا بالعقيدة، من خلال تعريفهم بربهم، ليعرفوه"كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه" [1] فيعبدوه حق عبادته، ويوقروه ويطيعوه، ومن خلال التوقير والتعظيم لله، ومن خلال العبادة والطاعة، تتربة نفوسهم على أخلاقيات الإسلام.

فحين عرفهم أن الله سميع بصير. وأنه"مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [2] وأنه"يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا" [3] وأنه"يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى" [4] صارت في قلوبهم تلك الحساسية تجاه رقابة الله لأعمالهم الظاهرة ومشاعرهم الباطنة، فصاروا يحرصون على نظافة هذه الأعمال والمشاعر ليراها الله نظيفة فيرضى عنها ويثيب عليها أصحابها.

وحين عرفهم أنه"لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" [5] وأنه"بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ" [6] لم يعودوا يتطلعون لغيره أن يعينهم في شدة يواجهونها، أو يغيّر وضعًا من الأوضاع يتألمون منه، إنما يتطلعون إليه وحده في السراء والضراء، ويصبرون حتى يأتي الأمر من عنده سبحانه، لأنه لا أمر إلا أمره ولا تغيير إلا بيده. فتربوا على أن يواجهوا الشدائد بالصبر وقلوبهم معلقة بفرج الله.

وحين عرفهم أنه"هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" [7] وأنه"يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ" [8] . وأنه"مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [9] لم يعد القلق على الرزق بشغلهم. ولم يعودوا يحسون حين يتعرضوا من أجل عقيدتهم لاضطهاد قريش، أو لغيره من الأحداث، أن البشر هم الذين يتصرفون في أرزاقهم وأقواتهم وأمنهم وراحتهم، إنما هو الله سبحانه وتعالى وحده .. لذلك لم تذل قلوبهم لبشر من البشر، وتعلموا -في صورة عملية- عزة الإسلام.

كذلك حين عرفهم أن الله هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يملك أمر الدنيا وأمر الآخرة، وأنه هو الذي يصرف القلوب، وأنه يحول بين المرء وقلبه .. تعلقت قلوبهم بالله في السر والعلن، وأصبح ذكر الله حيًا في قلوبهم، فاستقامت هذه القلوب على أمر الله.

(1) من دعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

(2) سورة المجادلة: 7.

(3) سورة سبأ: 2.

(4) سورة طه: 7.

(5) سورة الزمر: 63.

(6) سورة يس: 83.

(7) سورة الذاريات: 58.

(8) سورة الرعد: 26.

(9) سورة فاطر: 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت