الصفحة 370 من 379

وهكذا كانت العقيدة، وكان تعريفهم بربهم، هو أداة التربية الأولى التي رباهم بها القرآن ..

ثم إن القرآن كذلك رباهم بالترغيب والترهيب.

فمن خلال الترغيب في ثواب الله وجنته ورضوانه رباهم على أن يتخلصوا من الشح وينفقوا في سبيل الله ويؤثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ويتخلصوا من الخوف من مواجهة الموت فيقاتلوا في سبيل الله بشجاعة حفظها لهم التاريخ. ويتخلصوا من اللصوق بالأرض وحب الراحة والأمن والاستسلام لعواطف القرابة وجواذب المصالح الأرضية، ويجعلوا الله ورسوله والجهاد في سبيل الله أحب إليهم وأسبق إلى مشاعرهم.

ومن خلال الترهيب من غضب الله وعذابه رباهم على التخلص من شهواتهم وجَعْل قيادها في أيديهم، سواء شهوة المال أو شهوة الجنس أو شهوة الظلم للآخرين والاستعلاء عليهم أو شهوة الغمز واللمز والتجريح، أو شهوة الحياة ذاتها إن كانت تعوقهم عن الجهاد في سبيل الله.

ورباهم القرآن كذلك من خلال الأحداث.

رباهم في سورة آل عمران التي نزلت بشأن وقعة أحد ألا يهنوا ولا يحزنوا لأنهم الأعلون ما داموا مؤمنين، ولو كان قد مسهم القرح في القتال. ورباهم على أن قدر الله هو الذي يقتل من كتب عليه القتل، وليس الذهاب إلى ميدان القتال هو الذي يقتل! ورباهم على الطاعة للقيادة بعد أن أنبهم تأنيبًا شديدًا على معصيتهم للرسول -صلى الله عليه وسلم-. ورباهم على أن المشاعر الإيمانية والأفكار الإيمانية لا بد أن تتحول إلى عمل في عالم الواقع لكي يستجيب لها الله سبحانه ويثيب عليها ...

ورباهم في سورة النور بمناسبة حادث الإفك على ألا يلوكوا الأعراض بغير بينة، كما رباهم على أن يصونوا نساءهم من التبرج وأن يغضوا أبصارهم، وعلى أن يسلموا على أنفسهم عند دخول البيوت وأن يستأذنوا ولا يقتحموا بغير استئذان وإذن ....

ورباهم ورباهم ورباهم حتى صاروا"خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ".

والقرآن الذي ربى هذه الأمة الأولى هو ذاته القرآن الذي نقرؤه اليوم ..

وينبغي -ونحن نتلوه- أن نستيقن أنه هو منهج التربية وهو المربي الذي يجب أن نتربى على يديه. وأن كل حرف فيه قد جاء للتربية، سواء دروس العقيدة، أو قصص الأنبياء، أو قصة آدم والشيطان، أو التوجيهات الخلقية أو الاجتماعية أو السياسية أو القتالية أو التنظيمية أو ما يحتويه من الترغيب والترهيب ..

إن هذا كله ليس للإثارة الوجدانية المؤقتة التي تصحب -عادة- قراءة النص المحكم المؤثر البليغ.

كلا! إنه دروس تربية ..

والعقيدة بصفة خاصة ..

إننا -بحكم أشياء كثيرة في آن واحد- قلما نلتفت إلى العقيدة على أنها تربية! وكثيرًا ما نعتقد أنها موجودة في قلوبنا بما فيه الكفاية، وأنها في حرز حريز لا خوف عليها، وأن"أمة محمد بخير!!"و ...

وهذا الوهم يحول بيننا وبين تناول الدرس التربوي من العرض القرآني للعقيدة ...

إننا حين نقرأ قوله تعالى:"إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ"نتصايح: وهل في ذلك شك؟! وهل من أحد يرزق إلا الله؟

ولكن هذا الذي نقوله مستوثقين منه في حالة السلم والأمن والاطمئنان على الرزق، يهتز كثيرًا ويتزلزل حين تصاب أرزاقنا أو حين يلوح في الأفق أنها تتعرض لشيء من التضييق .. وعندئذ ننسى! ويخيّل إلينا أن فلانًا من البشر هو الذي يملك أرزاقنا! وأنه هو الذي سيضيّق علينا، وننسى عزتنا ونروح ننزلف لفلان ألا"يقطع أرزاقنا"! ثم نروح نزعم لأنفسنا أننا نأخذ بالأسباب!

لماذا؟ لأننا لم نتربّ على هذا النص القرآني .. إنما قرأناه فحسب، ووعته أذهاننا فحسب، وحسبناه بديهية يلتقطها الإنسان في لحظة ولا يعود في حاجة إلى مزيد من المعرفة عنها أو التوكيد عليها!

كلا! إنها تربية ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت