ونحتاج ونحن نقرأ النص في القرآن أن"نتربى"عليه كما تربى الجيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم، حتى يتحول من بديهية ذهنية إلى"عقيدة". إلى شيء مستقر في القلب. إلى قوة محركة في واقعنا. إلى تصور كامل وسلوك منبثق من ذلك التصور.
والعقيدة هكذا في الإسلام!
إنها ليست فكرة. وليست وجدانًا مستكنًا في الضمير. ولكنها منهج حياة، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان واقعية جدًا، شعورية وفكرية وسلوكية وفي كل اتجاه.
وهذا هو الذي ينبغي أن نلتفت إليه التفاتًا شديدًا ونحن نقرأ القرآن، لكي لا يفوتنا التدبر المطلوب منا، ولا الآثار المطلوبة من هذا التدبر في واقع السلوك وواقع الحياة.
ومن أبلغ ما يستخدمه القرآن من أمور العقيدة قي تقويم النفوس وتربيتها مشاهد القيامة والحديث عن اليوم الآخر.
وسبق أن قلنا في القسم الأول من الكتاب إن الإيمان باليوم الآخر يأتي في مواضع كثيرة من القرآن مرتبطًا وتاليًا مباشرة للإيمان بالله. ونقول هنا مرة أخرى -بصدد الحديث عن التوجيه التربوي من خلال العرض القرآني للعقيدة- إنه كما يستخدم القرآن قضية الألوهية -العقيدية- في تربية النفوس وتقويمها، فإنه كذلك يستخدم قضية اليوم الآخر -العقيدية- في ذات الهدف. وقد أشرنا إلى ذلك إشارة عابرة في الفقرة السابقة، والآن نلقي عليها مزيدًا من الضوء من ناحية ما ينبغي علينا ونحن نقرأ ذكر الآخرة في القرآن.
إن العرض القرآني لمشاهد القيامة من أشد الأمور تأثيرًا في النفس، لفرط الحيوية في هذا العرض، وتجسيم القرآن لتلك المشاهد حتى لتتحول في الحس إلى مشهد حاضر يعيشه الإنسان بالفعل، وتصبح الدنيا بكل ما فيها من واقعية الحاضرة كأنها ماض كان وانتهى ولم يعد له وجود.
ولا يملك الإنسان ذو الإحساس العادي فضلًا عن الإحساس المتفتح أن يمر بهذه المشاهد دون أن ينفعل بها وجدانه وتتأثر بها مشاعره.
ولكن ما المطلوب منا ونحن نقرأ مشاهد القيامة؟
أهو مجرد التأثر الوجداني، وذكر الموت والنهاية، والبعث والحساب، لننصرف عن التعلق بالحياة الدنيا والتكالب عليها؟
هذا وارد ولاشك. وإن كان توجيه الإسلام هنا ليس الانصراف عن عمارة الأرض، وليس العزلة عن موكب الحياة، وليس القعود عن اتخاذ أسباب القوة المادية الأرضية، لأن هذا كله يؤدي إلى ضعف المسلمين في مجموعهم، وعدم إعداد القوة لأعداء الله كما أمر الله ..
إنما المطلوب بالفعل ألا تستغرقنا الحياة الدنيا فننصرف عن ذكر الآخرة والموت والنهاية، والبعث والحساب.
ولكن هذا الوجدان وحده لا يكفي، ولا يفي بكل الغرض الذي جاءت من أجله مشاهد القيامة في القرآن.
إنما ينبغي لنا -ونحن نقرأ القرآن- ألا نفصل مشاهد القيامة عن السياق الذي وردت فيه وتتأثر بها وحدها كأنها قائمة بذاتها.
إنها تجيء في مناسبات معينة. والمناسبة مقصودة في كل مرة.
فحين تجيء مشاهد العذاب بمناسبة الحديث المباشر عن الكفر يصبح المعنى المقصود هو تهديد الكافرين بنار جهنم، وهذا واضح.
وحين تجيء إشارة ضمنية كهذه:
"مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا" [1] .
(1) سورة النساء: 134 - 135.