يكون المعنى التربوي المقصود هو تهديد المؤمنين بغضب الله وعذابه إن نكلوا عن القيام بالقسط والشهادة لله سعيًا وراء ثواب الدنيا -أي متاع الحياة الدنيا. ويكون هذا توجيها مقصودًا للدنيا والآخرة لا للآخرة وحدها كما يسبق إلى الحس بشأن مشاهد القيامة! توجيهًا لإقامة الأمور في الدنيا بالقسط، وتطبيق العدل الرباني الذي كلف الله به الأمة المسلمة.
وحين تجيء إشارة كهذه:
"لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" [1] .
يكون المعنى التربوي المقصود أن هذا الدين لا يصلح أن يكون أماني إنما هو واقع عملي. وأنه لا يُقْبَلُ من الناس أن يقولوا آمنا بأفواههم -حتى مع توفر حسن النية- إنما ينبغي أن يمارسوا هذا الدين في عالم الواقع. وينبغي أن يربوا أنفسهم على نبذ التمني مع القعود والنكول في عالم الواقع، ويبادروا بالتطبيق الفعلي لما يقولون بأفواههم إنهم مؤمنون به. ويكون هذا كذلك توجيهًا للدنيا والآخرة، لا للآخرة وحدها. توجيهًا مقصودًا به تحويل هذا الدين إلى واقع ملموس لا إلى شعارات في الكتب وعلى أفواه الخطباء!
وحين تجيء مشاهد النعيم جزاء على الإيمان بالله -جملة- فأمرها واضح، وإن كان المعنى التربوي فيها كثيرًا ما يفلت منا، لأننا كثيرًا ما نعتبر الإيمان بالتمني إيمانًا حقيقيًا يؤهل للجنة! وهذا رغم ورود النص الصريح في الكتاب"ليس بأمانيكم ..".
ولكن حين تجيء هذه المشاهد جزاء على تفصيلات الإيمان فينبغي أن يكون المعنى التربوي حاضرًا في أذهاننا:
فحين يجيء هذا النص:
"مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" [2] .
لا يكود رد الفعل المفترض فينا ونحن نقرأ النص أن نقول:"ما أسعدهم!!"ثم نمضي نحن فيما نحن فيها لا نعوّد أنفسنا على الإنفاق والبذل، كأن المقصود بالنص قوم غيرنا تعرض صورتهم أمامنا لمجرد إثارة الإعجاب! إنما يكون الدرس التربوي المقصود هو أن نحاول نحن مع أنفسنا. وقد تكون المحاولة شاقة وطويلة الأمد. ولكنا إن لم نقم بها، إن قنعنا بالتمني، فسيظل الدرس التربوي بعيدًا عن حسنا، وتظل قراءتنا للنص هي قراءة العين لا قراءة القلب المفتوح.
كذلك حين نقرأ هذا النص:
"إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [3] .
يكون الدرس التربوي أن نحاول مع أنفسنا أن نقتحم العقبة، ونوطن أنفسنا على أداء ضريبة الإيمان حين يحين موعدها.
وكذلك حين نقرأ:
(1) سورة النساء: 123 - 124.
(2) سورة البقرة: 261 - 262.
(3) سورة التوبة: 111.