الصفحة 373 من 379

"قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" [1] .

فعلينا أن نلتقط الدرس التربوي الوارد في ظل قوله تعالى:"أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ".

إنه لا بد لنا أن نراجع سلوكنا الواقعي على هذا السلوك الموصوف في الآيات، وأن نظل نقوّم ما نجده بعيدًا عن الخط حتى يستقيم.

وهكذا تكون مشاهد القيامة في القرآن -بنعيمها وعذابها- دروسًا تربوية كلها، ويكون واجبنا ونحن نقرؤها ألا نتأثر بها منفصلة عن سياقها، لنحاول الانصراف عن متاع الحياة الدنيا، إنما لنصلح سلوكنا الأرضي ونحن نمارس الحياة!

كذلك نجد في القرآن بيان السنن الربانية التي يدير الله بها حياة البشر على الأرض.

إن الحياة البشرية لا تمضي اعتباطًا بلا ضابط ولا دليل. إنما تحكمها سنن ثابتة كتلك التي تحكم نواميس الكون. غير أنا كثيرًا ما نغفل عن هذه الحقيقة، لأننا نرى السنن التي يدار بها الكون مطردة واضحة محدودة، ونرى حياة البشر دائمة التقلب، فنحسب لأول وهلة أن الكون وحده هو المنضبط الحركة بنواميسه، أما البشر فأمرهم كما أتفق!

أمر آخر يجعلنا نغفل عن حقيقة وجود النواميس الضابطة في حياة البشر، هو أن الظاهرة البشرية تستغرق أجيالًا عديدة حتى تتحقق، وحياتنا محدودة بأعمارنا، فلا نرى الظاهرة بتمامها، فلا نلتفت إلى وجودها. وأحيانًا تكون المظاهر الخارجية خادعة مغايرة للحقيقة الباطنة، فيزيدنا هذا الأمر بعدًا عن التقاط الحقيقة وإدراك النواميس.

من أجل ذلك وجهنا الله في كتابه المنزل إلى دراسة التاريخ. لأن التاريخ الذي مضى هو تجربة تامة منتهية، واضحة المعالم من ثم، وواضحة الدلالة. ثم أمرنا الله أن نتدبر الحاضر على مدى دراسة التاريخ، فنكمل الصورة -التي لم تتم بعد في حاضرنا الذي نعيشه- على ضوء الصور الماضية المكتملة، فيتضح لنا ما لم يكمل بعد من معالم صورتنا الحاضرة.

لذلك يكثر في القرآن ورود هذا المعنى في صور شتى:"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ" [2] .

وهذه الدراسة -وتدبر السنن الربانية التي تجري بها حياة البشر على الأرض في أثناء قراءة القرآن -أمر ضروري وحيوي للمسلم، لكي يتضح له خط سير البشرية على ضوء المنهج الرباني، وليرى موقعه هو -في لحظته الحاضر- من مجرى الأحداث.

فحين يقول لنا القرآن:"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" [3] .

وحين يقول:"إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم" [4] .

(1) سورة المؤمنون: 1 - 11.

(2) سورة الروم: 42.

(3) سورة الروم: 41.

(4) سورة الرعد: 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت