ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الآيات كلها نزلت في حق المنافقين، الذين يزعمون أنهم آمنوا ثم يرفضون التحاكم إلى شريعة الله!"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا" [1] .
أما المؤمنون فقد كان من المسلمات عندهم أن نطقهم بشهادة أن لا إله إلا الله هو تعهد منهم باتباع ما أنزل الله، والتحاكم إلى شريعة الله، وإلا فهو النفاق إذن وليس الإسلام .. والمنافقون في الدرك الأسفل من النار!
في السور المدنية -كما قلنا- نجد موضوعين جديدين هما التشريعات والتنظيمات، والجهاد في سبيل الله.
فأما التشريعات والتنظيمات فقد شملت كل جوانب الحياة الإنسانية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتربوية، والخلقية؛ وأما الجهاد في سبيل الله أو ما نستطيع أن نطلق عليه"معركة لا إله إلا الله"-فقد شمل الحديث عنه: تحديد أعداء لا إله إلا الله، الذين لا يرغبون في إقامة حكم الله في الأرض، ويتربصون الدوائر للقضاء على الإسلام، وهم: اليهود والنصارى والمشركون والمنافقون. والأعمال التي يقومون بها لمحاولة تفريق الصف المسلم وتعويق الدعوة وخلخلة بناء المجتمع الإسلامي مع عناية خاصة بما نسميه اليوم"المخطط الصليبي الصهيوني"وخاصة الجانب اليهودي منه. كما تضمن بيان واجب المسلمين إزاء هذه المخططات الشريرة، من عدم موالاة اليهود والنصارى أو المشركين والمنافقين، والحذر من مؤامراتهم ضد الإسلام، ثم قتال أهل الكتاب"حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ" [2] وقتال المشركين كافة .. وشمل كذلك دعوة متكررة لعدم التراخي في الجهاد، والحذر من فتنة المتاع الأرضي المخذل عن الجهاد، كما شمل التحبيب المتكرر في الجهاد وبيان أثره في الدنيا وجزائه في الآخرة ..
وإن كنا قد تحدثنا مفصلًا عن موضوعات السور المكية قبل إعطاء نماذج منها، فإننا نكتفي هنا بهذه الإشارة الموجزة إلى موضوعات السور المدنية لأن النماذج هنا تتحدث حديثًا تفصيليًا مباشرة عن هذه الموضوعات ..
وقد اخترنا أن نستعرض سورة البقرة استعراضًا سريعًا يعطي فكرة عامة عنها، مع الوقوف عند مواضع قليلة فيها، ثم استعراض سورة آل عمران وسورة النساء بشيء من التفصيل. والمقصد الأول على أي حال هو مجرد إعطاء"نماذج"للتوضيح قد تعين القارئ على تبين بعض المفاهيم العامة. أما الدقائق والتفصيلات فليس مكانها هذا الكتاب إنما يرجع إليها في كتب التفسير، خاصة وأننا لن نتعرض للموضوعات الفقهية، وهي كثيرة جدًا في السور المدنية، لأنها ليست مقصدنا من هذه الدراسة، إنما مقصدنا فقط بيان الموضوعات التي يتناولها القرآن، والطريقة التي يتناول بها هذه الموضوعات.
(1) سورة النساء: 60 - 61.
(2) سورة التوبة: 29.