الصفحة 202 من 379

أليس في سورة الأنعام -المكية- هذه الآية:"وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ" [121] فيربط بين الشرك وبين الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه؟

أليس فيها كذلك هذه الآية:"سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ" [148] فيربط بين الشرك والتكذيب وبين التحريم بغير إذن من الله، أي الحكم بغير ما أنزل الله؟

أليس في سورة الأعراف -المكية- هذه الآية:"اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ" [3] . فيربط بين اتباع الأولياء -أي الشرك- وبين عدم اتباع ما أنزل الله؟

أليس في سورة النحل المكية هذه الآية:"وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ" [35] ففصّل الشرك بأنه التوجه بشعائر التعبد لغير الله، والتحريم بغير إذن من الله، أي التشريع بغير شرع الله؟

أليس في سورة لقمان المكية هذه الآية:"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ" [21] فجعل اتباع ما أنزل الله في جانب، واتباع عرف الآباء والأجداد واتباع الشيطان وعذاب السعير كله في الجانب الآخر؟

كلا! ما جد في العهد المدني إلا"تفصيل"ما أنزل الله .. أما"اتباع"ما أنزل الله فقد كان مقررًا من قبل في العهد المكي على أنه هو العقيدة، وهو معنى لا إله إلا الله!

فحين يقول في العهد المدني -وهو بصدد الحديث عن التشريع السماوي-"وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" [1] وحين يقول:"أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ" [2] وحين يقول"فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [3] لا تكون هذه حقائق جديدة نشأت في العهد المدني، إنما هي توكيد لقاعدة إيمانية أصيلة، أسست ورسخت في العهد المكي، واستقرت في نفوس المؤمنين بحيث لم تعد في حاجة إلى بيان!

(1) سورة المائدة: 44.

(2) سورة المائدة: 50.

(3) سورة النساء: 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت