الصفحة 201 من 379

ووضع التكملة على هذه الصورة ذو دلالة واضحة .. هي صلة هذا الدين الذي أكمل، والنعمة التي أتمت، والإسلام الذي رضيه الله دينًا للمسلمين .. صلة ذلك كله بالشريعة وأحكامها، بحيث يوحي السياق أن الشريعة وأحكامها هي هذا الدين، وهذه النعمة، وذلك الإسلام!

وثمت مثال آخر من سورة البقرة ذو دلالة مماثلة:

فمن الآية 226 يتحدث السياق بصورة متصلة عن الطلاق وأحكامه:"لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ...".

ويستمر السياق في ذكر أحكام الطلاق حتى آية 237:"وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ".

وفجأة .. قبل أن تنتهي أحكام الطلاق تأتي هاتان الآيتان [238 - 239] :"حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ، فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ".

ثم يعود السياق بعدها مباشرة إلى إكمال أحكام الطلاق:"وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" [240 - 242] .

ولا يمكن أن يمر الإنسان بالسياق على هذا النحو دون أن يقف ليتفكر في دلالة هذا الحديث عن الصلاة في وسط أحكام الطلاق، وما بقيت إلا ثلاث آيات فقط وينتهي الحديث المتصل عن الطلاق الذي استغرق خمس عشرة آية ..

إن هناك قصدًا ولا شك من وضع هاتين الآيتين في وسط تلك الآيات ..

إنه إيحاء بأن هذا الدين لا فاصل فيه بين الشريعة والشعيرة .. كلاهما سواء كلاهما من"هذا الدين"!

والأمثلة كثيرة، تجيء بإذن الله في أثناء عرض نماذج من السور المدنية .. ولكن هذين المثالين واضحا الدلالة فيما أشرنا إليه: أن هذا الدين كل متكامل، لا تنفصل فيه العقيدة عن الشريعة عن الشعيرة، ولا يمكن أن يجتزأ ببعض منه عن بعض، لأن الله يندد بالذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض:"أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" [1] .

هل هذا شيء"مفاجئ"في السور المدنية لم يكن موجودًا في السورة المكية، أو لم تكن له مقدمات هناك؟!

كلا! لا شيء فيه جديد، إلا التشريعات ذاتها والتنظيمات، التي نزلت لتنظيم المجتمع الجديد والدولة الإسلامية الجديدة. أما المبدأ ذاته .. مبدأ أن لا إله إلا الله معناها اتباع ما أنزل الله، وأن الإيمان هو الطاعة والاتباع .. هذا لا جديد فيه على الإطلاق. بل كان ما نزل من القرآن في مكة كله تقريرًا له وتوكيدًا لحقيقته!

(1) سورة البقرة: 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت