لقد بدأ عهد التمكين في الأرض -وإن كان الأعداء بعد يحيطون بالدولة الجديدة ويسعون إلى الإطاحة بها قبل أن يتم لها التمكين- وبدأت الجماعة الإسلامية تأخذ سمات"الوراثة".. وراثة العهد الرباني، والقيام بالأمانة الكبرى التي كان يعدّهم لها طوال هذه السنوات في مكة، وهي إقامة حكم الله في الأرض، وأن يكون"الدين"في الأرض لله ..
وبما يناسب افتتاح هذا العهد الجديد، كان افتتاح هذه السورة التي نزلت لإبراز ملامح هذه الأمة التي أخذت الآن في التكوين:
"الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
هكذا تفتتح أول سورة تحدد سمات الأمة الجديدة .. التي كتب الله لها أن تكون"خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ"وأن تكون هي الحاملة للرسالة الأخيرة، التي تقرر في علم الله أن تظل باقية في الأرض إلى يوم القيامة [1] .
"الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ"..
وقد سبق الكلام عن مثل هذه الحروف التي تفتتح بها بعض السور القرآنية، إشارة -والله أعلم- إلى أن الكتاب المنزل هو من ذات هذه الأحرف التي نطق بها البشر، ولكنه نسيج آخر غير الكلام الذي يتحدث به البشر ..
"ذَلِكَ الْكِتَابُ"المكون من هذه الأحرف، هو الكتاب المنزل من عند الله لا ريب في حقيقة تنزيله ولا في أنه هو بالذات المنزل من عند الله لهداية المتقين المؤمنين بالله وبصدق هذا الكتاب.
ونلاحظ بادئ ذي بدء أن السياق يقرر الحقيقة وينتهي من تقريرها في هذه الكلمات القلائل، لأنه لم يعد يرد على المكذبين والمجادلين الذين يجادلون في صدق الوحي والرسالة وفي أن الكتاب منزل من عند الله .. إنه يخاطب المؤمنين اليوم مباشرة، بعد أن تميزوا عن الكفار في مجتمعهم الجديد القائم بذاته، وصار الكلام والتوجيه لهم خاصة، وإن كان يحدثهم -في السورة- عن المشركين والمنافقين واليهود والنصارى .. ولكنه يحدثهم ليعلّمهم، ويعرفهم بأحوال هذه الفئات ومواقفها، لا ليجادلها جدالًا مفصلًا في صحة الوحي والكتاب ..
السياق إذن يقرر الحقيقة في هذه العبارة الموجزة ثم يمضي إلى تقرير سمات"المتقين"هؤلاء، الذين هم هذه الأمة الجديدة الآخذة في التكوين. وهو تقرير وتوجيه في ذات الوقت. تقرير لسمات هذه الأمة كما هي في علم الله وتقديره، وتوجيه للأمة كذلك أن تلتزم بهذه الصفات، لأنها هي الصفات المطلوبة في"المتقين".
"الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ..".
تلك هي الصفة الأولى للمؤمنين .. والصفة الكبرى لهم كذلك ..
إن الإيمان بالغيب لهو من الصفات التي كرم الله بها بني آدم .. فلم يشأ لهم سبحانه أن تكون حياتهم محصورة في دائرة ما تدركه الحواس فحسب، بل شاء لهم -فضلًا منه وكرمًا- أن تكون حياتهم أوسع من ذلك وأرحب، وأن تكون في أرواحهم القدرة على الإيمان بما لا تدركه الحواس [وإن كانت تستطيع أن تدرك آثاره] وأن تستطيع الاتصال بالله مباشرة، عن غير طريق الحس، لتقبس من نوره، وتعود أرحب وأصفى وأشفّ، وأقدر على القيام بالمهمة الكبرى التي خلق الله من أجلها الإنسان!
(1) "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة"أخرجه مسلم.