الصفحة 206 من 379

ومن عجب أن الجاهلية الحديثة تريد أن تطمس هذه النافذة المضيئة في روح الإنسان، فتروح تعيب عليه أن يؤمن بالغيب، وتقول: هذه خرافة ورجعية وتخلف .. وإن الإنسان"الحديث"ينبغي أن يؤمن بالعلم، ولا يؤمن بالغيبيات!!

عجبًا! أيمنّ الله على الإنسان بجناحين، يحلق بأحدهما في عالم العلم، ويحلق بالآخر في عام الغيب .. أو يحلق بهما معًا في هذا العالم وذاك .. ثم نقول للإنسان: قصّ أحد جناحيك وأَلْقِ به عنك لأنه لا حاجة لك به، واجثم على الأرض عاجزًا عن التحليق بجناح واحد .. لكي تصبح"إنسانًا حديثا"يليق بالقرن العشرين؟!

لا جرم أنه بهذه الصورة يصبح بالفعل لائقًا بجاهلية القرن العشرين!

وماذا يكسب الإنسان حين يطمس روحه ويحصر نفسه في دائرة ما تدركه الحواس؟!

يزداد علما؟! وهل يمنع الإيمان بالغيب من الإيمان بالعلم والبحث والدراسة والتجريب؟ ومن الذي توصل إلى المنهج التجريبي في البحث العلمي؟ أليسوا هم أولئك المؤمنين بالغيب، الذين حققوا كرامة"الإنسان"كاملة، لأنهم حققوا كيان"الإنسان"كله، بحسه وروحه سواء؟!

ألا ما أبأس هذه الجاهلية التي تعيّر الإنسان بأنه يؤمن بالغيب .. لتطمس روحه وتحجبها عن الله!

وإن وضع هذه الصفة في مقدمة صفات"المتقين"لا تجيء اعتباطًا .. فكيف"يتقون"إن لم يؤمنوا بالله وهو غيب، وبالوحي وهو غيب، وباليوم الآخر وهو غيب، وبالثواب والعقاب وهو غيب؟!

إن قاعدة حياة المؤمن الرئيسية هي إيمانه بالغيب، الذي يتم عن طريقه إيمانه بالله واليوم الآخر، والملائكة والكتاب والنبيين والقدر خيره وشره .. ويتقرر عن طريقه خط سلوكه كله في الحياة الدنيا، وخط مشاعره، وخطر تفكيره ..

"الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ".

إن الإيمان ينبغي أن يأخذ في حياة المؤمن صورة عملية محسوسة. ينبغي أن ينعكس في صورة سلوك عملي. والإيمان بالغيب، الذي يتضمن الإيمان بالله واليوم الآخر، ينبغي أن تصاحبه إقامة الصلاة لأنها هي الصلة الروحية بين العبد وربه، والفرصة التي تقبس فيها الروح من نور الله. كما ينبغي أن يصاحبه الإنفاق من رزق الله ..

"والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ".

وقد سبق أن أشرنا إلى أن الإيمان بالكتب السابقة والرسل السابقين يوسع"انتماء"المؤمن بدلًا من أن يحصره في نطاق معين، فيرحب بذلك أفقه وتعمق جذوره في الأرض. فضلًا على كونه ضرورة عقيدية: أن يعرف أن الله لم يترك عباده منذ بدء الخليقة، إنما أرسل لهم دائمًا من يعلمهم حقيقة الألوهية وحقيقة الربوبية وحقيقة العبادة ..

ثم أشرنا كذلك إلى المعنى الخاص بالنسبة لهذه الأمة بالذات ..

إنها الأمة الخاتمة، والأمة المقدر لها في علم الله أن تكون هي الرائدة والمشرفة على البشرية:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" [1] .

والأمة التي هذه مهمتها، والمقدر لها أن تكون هي الوارثة لعهد الله، ينبغي أن يتسع صدرها لأصحاب الرسالات السابقة، الذين قدر الله أن يكونوا في ذمتها، وأن يكون ذلك عن طريق الإيمان بتلك الرسالات، حتى وإن كان أصحابها قد مرقوا منها وحرفوها!

(1) سورة البقرة: 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت