إن الأمم السابقة لم يتسع صدر بعضها لبعض، لأنها كفرت برسالات بعضها بعضًا:"وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ" [1] ولذلك قام بينهم من التعصب الديني والاضطهاد الديني ما سجله التاريخ ..
أما هذه الأمة التي يراد لها أن تكون هي الشاهدة على البشرية، والتي سينضوي تحت حكمها من اليهود والنصارى ما قدر الله، فلا ينبغي لها ذلك التعصب الديني، ولا ينبغي أن يصدر عنها اضطهاد ديني، وهي التي أنشئت؛ لتكون النموذج لكل البشرية:"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ" [2] .
إنما تكون أمة متسامحة، يتسع صدرها للآخرين -رغم انحرافاتهم وتحريفاتهم- ما لم يقوموا بحربها والعدوان عليها:"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" [3] .
لذلك يبرز السياق في مفتتح السورة التي تحدد سمات الأمة المؤمنة وتعدها للقيام برسالتها، صفة الإيمان"بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك"لأنها من مقومات هذه الأمة، ومن معيناتها للقيام برسالتها العالمية التي تعدّ لها منذ هذه اللحظة ..
".. وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ".
والإيمان بالآخرة داخل ضمن الإيمان بالغيب، ولكن السياق يبرزه ليعطيه أهمية خاصة .. فقد سبق أن بينا أن الإيمان بالآخرة هو الطريق الذي يعلم الله سبحانه وهو اللطيف الخبير أنه يعين الإنسان على الاستقامة في الدنيا، والالتزام بحدود الله.
وهذه الأمة -ذات الرسالة العالمية- في حاجة شديدة إلى الإيمان بالآخرة، ليستقيم سلوكها، لا لنفسها فحسب، بل لتعطي النموذج للحياة الإنسانية النظيفة المعتدلة القائمة بالقسط .. لذلك فهي حاجة أن يبلغ الإيمان بالآخرة عندها درجة اليقين الذي لا يهتز ولا يشوبه الشك"وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ".
"أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
أولئك الذين هذه صفاتهم وهذه سماتهم، هم"عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ".. فكذلك يفعل الهدى الرباني في نفوس الناس ومشاعرهم، وكذلك يصوغها تلك الصياغة الربانية المعجِبة التي تشف وتضيء، والتي تسير مستقيمة على الأرض وروحها المجنحة تحلق في السماء ..
"وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
المفلحون في كل جوانب الفلاح ومجالاته .. فقد كتب الله لمن تكون هذه صفاتهم وسماتهم الذين اهتدوا بالهدى الرباني فصاغ نفوسهم ومشاعرهم على هذا النحو، أن يكونوا هم المفلحين في الدنيا والآخرة جميعًا ..
(1) سورة البقرة: 113.
(2) سورة آل عمران: 110.
(3) سورة الممتحنة: 8 - 9.