فأما في الدنيا فقد أُهِّلوا بهذه الصفات للفلاح .. فإن الإنسان حين يكون على هذه الصورة، تكون مكوناته الفطرية قد وضعت في أفضل أوضاعها، ويكون كما خلقه الله"في أحسن تقويم"ولذلك يكون الفلاح هو ثمرة جهده، وثمرة انطلاقه في هذه الأرض، يقوم بعمارتها على الهدي الرباني، وينشئ فيها الحكومة الراشدة التي تحكم بما أنزل الله، ويقيم العدل الرباني في الأرض، ويقيم النظافة الخلقية والشعورية والفكرية والسلوكية .. فتتم صورة الفلاح كاملة في الأرض، خاصة والله قد وعد الذين هذه حالهم بالتمكين في الأرض والاستخلاف:"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا" [1] .
أما الفلاح في الآخرة فقد تكفل به الله سبحانه وتعالى للمؤمنين: أن يدخلهم الجنة والنعيم المقيم .. وبذلك يجتمع لهم الفلاح كله: فلاح الدنيا وفلاح الآخرة، فلا جرم يقول:"وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
ولقد شهدت هذه الأمة"الفلاح"في واقعها التاريخي حين كانت مستوفية لهذه الصفات التي أوردها السياق بالفعل، فكان في يدها القوة والمال والسلطان، والعلم والحضارة والعمران .. وكانت الشعلة المضيئة للبشرية كلها لحين من الزمان ..
بعد هذا الاستفتاح الذي حدد فيه سمات المؤمنين وأوصافهم، يتحدث عن غير المؤمنين وسماتهم وأوصافهم.
والتقسيم الغالب في القرآن هو تقسيم الناس إلى مؤمنين وكافرين. وكان كذلك الحال في العهد المكي كله. ولكن هنا -في المجتمع المدني- بدأت تظهر فئة جديدة من البشر، هي ليست فئة"ثالثة"غير المؤمنين والكافرين، فإنه لا توجد فئة غير هاتين:"خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ" [2] ولكنها فئة متميزة داخل فريق الكافرين، وهي فئة المنافقين.
هذا التقسيم الثلاثي إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين [وهم أشد كفرًا] يجيء في مقدمة سورة البقرة ليصف حال المجتمع الذي يحيط بالدولة الناشئة، فالكفار من مشركي العرب جانب، والمنافقون من يهود المدينة الذين زعموا الإيمان بالرسول -صلى الله عليه وسلم- وهم يضمرون الكفر به والحقد عليه ويعملون بكل وسائلهم الخسيسة لمحاولة اجتثاث الإسلام من المدينة، جانب آخر [ولم يكن بعد قد برز المنافقون من أهل المدينة من العرب وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ بصورة حادة، ولكنهم كانوا موجودين، وكانوا يوالون اليهود ويدبرون معهم في الخفاء للقضاء على المسلمين!] .
وكما يحيط هؤلاء وهؤلاء بالمسلمين في عالم الواقع، فإنهم يحيطون بهم كذلك في سياق السورة!
"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ".
وفي آيتين اثنتين انتهى من وصف الكفار الصرحاء، الذين وقفوا موقف الكفر الواضح في قولهم وفي سلوكهم وفي تدابيرهم ..
أما الكفار المنافقون فيستغرق وصفهم ثماني آيات كاملة، ثم يستمر الحديث في تمثيل حالهم خمس آيات أخرى، فكأنما تحدث عنهم السياق ثلاث عشرة آية متوالية!
هذه العناية بإبراز صفات المنافقين لها أسباب محلية في مجتمع المدينة، وأسباب دائمة لا تقف عند مجتمع معين.
(1) سورة النور: 55.
(2) سورة التغابن: 2.