فقد كان موقف اليهود -في صورة المنافقين- جديدًا على المسلمين، سواء منهم المهاجرين الجديدون تمامًا على هذا المجتمع، أو الأنصار، أهل المدينة القدامى، الذين كانوا يعرفون اليهود ويتعاملون معهم، ولكن في غير صورة المنافقين التي لبسها اليهود بعد حلول الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المدينة. لذلك كان الأمر في حاجة إلى كشف وتنبيه مفصل لأحوالهم وسماتهم وسلوكهم، حتى يحذرهم المؤمنون ويأمنوا كيدهم ..
أما السبب الدائم فهو أن المنافقين دائمًا -وفي كل مجتمع- أخطر من الأعداء الصرحاء. فهؤلاء يكشفون لك موقفهم فتعرفهم، وتتعامل معهم على أساس موقفهم المكشوف، سواء قاتلتهم أو هادنتهم .. أما المنافقون، الذين يظهرون لك الولاء وهم يكيدون لك في الخفاء فهؤلاء أخطر وأصعب في التعامل معهم. فإن عاملتهم على أنهم أعداء راحوا يتباكون ويقولون عنك إنك تضطهد المخلصين الموالين! وإن أمنت لهم جروك إلى المكيدة! وذلك فضلًا على صعوبة كشفهم وتحديد أشخاصهم بسبب سلوكهم الملتوي، الذي يظهر الصداقة ويبطن العداء ..
ولذلك فالسياق يضع العلامات الحمراء عليهم حتى يتجنبهم السائر في الطريق!
"وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ، وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ، أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
بعد ذلك يتجه السياق إلى الفريق الأول من الكفار يخاطبهم، يدعوهم إلى الإيمان، ومراجعة أنفسهم ليتبينوا موقفهم غير المنطقي وغير القائم على برهان، وإن كان الحديث إليهم يأتي في صورة حديث موجه -إلى"الناس":