الصفحة 107 من 379

والقرآن حين يصنع ذلك فهو يستجيب للفطرة البشرية كما خلقها الله. فالله الذي خلق هذه الفطرة هو الذي نزّل هذا القرآن مفصلًا على قدها، مستجيبًا لها، ومحييًا لها وباعثًا ومقومًا في آن.

والعقل جزء من هذه الفطرة ولا شك، وله دوره في قضية الإيمان .. ولكن الله يعلم الشروط اللازمة لهذا العقل حين يتناول قضية من قضايا"الحياة"إنه يمكن أن يعمل وحده -بل ينبغي أن يعمل وحده- حين يكون دوره هو التعرف على سنة من سنن الكون. فهنا لا ينبغي أن يكون للوجدان مجال، لأن الإنسان لا يتخذ"موقفًا"معينًا تجاه هذه القضية! إنما هي حقائق كونية لا دخل للإنسان فيها، ولا يستطيع تغييرها أو التأثير عليها إنما"يتعرف"عليها فحسب.

الماء يتجمد في درجة أربعة تحت الصفر (-4) .

الماء يتكون من قدر من الأوكسيجين وقدرين من الإيدروجين (ايد) .

ما دور الإنسان في هذه القضية أو تلك إلا دور المعرفة التي تهيء له -إن أراد- أن يستخدمها في عمارة الأرض؟

ولكن موقف الإنسان من قضايا"الحياة"مختلف عن ذلك. إنه هنا يتعرف ليختار:"إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" [1] "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" [2] .

والله خالق هذه الفطرة يعلم أن العقل ليس هو في الحقيقة الذي يختار! أو ليس وحده الذي يختار! إنما يختار"الإنسان"في مجموعه، وأن لحظة الاختيار، أو لحظة اتخاذ القرار، هي اللحظة التي يصل فيها الوجدان إلى قمة انفعاله، والعقل عندئذ خادم يخدم اتخاذ القرار!!

وأنا أعلم بطبيعة الحال أن هذا الكلام لا يعجب"العقلانيين"الذين يجعلون للعقل مكان الصدارة في كل قضايا الحياة. ولكن فليقل لنا العقلانيون إن استطاعوا أين كان العقل والبشرية تتخبط في جاهلياتها من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، وتقدم في كل مرة من البراهين ما تبرر به تخبطها من هنا ومن هناك؟!"وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا"كما يقرر القرآن [3] ، والعقل هو أداة الجدل، التي تسوق له الحجة والبرهان!!

إنما الوجدان المتحرك هو الذي يقرر في الحقيقة موقف الإنسان من قضايا الحياة. أو هو العقل المنفعل مع الوجدان .. في الهدى وفي الضلال سواء!

ولذلك يهتم القرآن بأن يكون الوجدان مستقيمًا على طريق الهدى، فيستقيم -من ثم- موقف الإنسان من قضية الإيمان.

والباب الأكبر لتحريك الوجدان -وتحريك العقل كذلك لينفعل مع الوجدان- هو عرض آيات القدرة الربانية في كل مجال:"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ" [4] .

وعلى هذا المنهج الذي تبينه هذه الآية تعالج السورة التي بين أيدينا قضايا الوحي والرسالة، والبعث، والآية التي يعلق المشركون عليها قضية الإيمان!

"المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ".

(1) سورة الإنسان: 3.

(2) سورة الشمس: 7 - 10.

(3) سورة الكهف: 54.

(4) سورة فصلت: 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت