ولأنها تجيء في جو مشحون بالغضب والعنف فهي تأخذ نفس الجو الذي ترد فيه! فالعيون فجرناها .. بما في لفظ التفجير من إيحاء العنف. والتنبيه إلى أن الثمر من عند الله وليس من عمل أيديهم يأتي حادًا عنيفًا في الآية:"لِيَاكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ"ثم يأتي التعقيب حادًا عنيفًا كذلك:"أَفَلَا يَشْكُرُونَ"والأزواج مما تنبت الأرض ومن أنفسهم"وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ". ويبدو من السياق أنه لا توجد أية إمكانية لهم ليخرجوا من جهلهم هذا و"يعلموا"شيئًا مما لا يعلمون! إنما تلقى"مما لا يعلمون"في وجوههم كالقذيفة مثبتة عليهم جهلهم فحسب، دون رغبة في تعليمهم! والليل يسلخ سلخًا من النهار! بينما يرد في جميع المواضع الأخرى"يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ"للدلالة على تلك الحركة الوئيدة المتداخلة! أما ها فهي عملية سلخ حادة عنيفة يتبعها الظلام مفاجئأ"فإذا هم مظلمون"والشمس في حالة حركة عنيفة"تجري"والقمر يظل حتى تكون آخر صورة له هي العرجون القديم الكالح اليابس الذي لا ينبض بالحياة! والشمس والقمر في سباق لا ينبغي أن يدرك فيه أحدهما الآخر وكذلك الليل والنهار .. سباق يوحي بالجهد ولا ينبض بالأمل .. لأنه لا يدرك غايته! تلك هي"الآيات الكونية"في سورة يس، فكيف هي في سورة الأنعام؟!
إنها وديعة هادئة لطيفة، لا شد فيها ولا عنف ولا ضجيج!
إن الحديث موجه للمكذبين نعم، ولكنه موجه كذلك للمؤمنين، ولهذا أثره الملحوظ في"تلطيف"الجو وجعله أقرب إلى التعليم والهداية منه إلى التأنيب والتنديد ..
ربما كانت أعنف لفظة في السياق كله هي كلمة"فالق":"إن الله فالق الحب والنوى ..""فالق الإصباح .."ولكن أين هذه من التفجير والسلخ، والجو المشدود هناك؟
ثم إن فلق الحب والنوى، وفلق الإصباح عمليات هينة لطيفة خاصة وأنها تتم في بطء شديد وتدرج .. ثم انظر إلى"وجعل الليل سكنًا"وكم توحي للنفس بالسكينة والهدوء. والشمس والقمر هنا"حسبان"لا يجري بينهما ذلك السباق المجهد الذي يجري هناك. والنجوم"لتهتدوا"بها .. فالجو العام جو هداية في الظلمات! ثم التعبير عن التزاوج"بالمستقر"في رحم الأنثى و"المستودع"في صلب الذكر. انظر كم يوحي إليك لفظا المستقر والمستودع بالسكينة والاستقرار! ثم هذه اللوحة البديعة من النبات"فأخرجنا منه خضرًا .."ولفظة خضر توحي بالطراوة من جهة، وهي مريحة للأعصاب كذلك من جهة أخرى، فالحس البشري يحب الخضرة ويرتاح إليها. والنخل من طلعها قنوان"دانية"توحي بالرحمة المتنزلة في ذلك الدنو .. وجنات الأعناب .. والزيتون والرمان ..
إنها لوحة رائعة من الخضرة والنداوة والعذوبة والظل الظليل واليسر البادي في كل شيء .. ولأنها"لوحة"معروضة للنظر .. للتأثر الوجداني"بالجمال".. لذلك لا يقول هنا"كلوا من ثمره"كما يقول في موضع تال من السورة، إنما يقال:"انظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ". نعم،"انظروا".. فهنا مجال للنظر، وللاستمتاع بالجمال في ظل الإيمان بالله:"إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ".
أرأيت إلى فارق الجو بين السورتين كيف كان أثره في طريقة عرض الآيات الكونية المتشابهة هنا وهناك؟!
إنه هكذا التنويع في القرآن .. الذي يخيل للناس أنه تكرار!
ومشاهد القيامة كذلك من أكثر الموضوعات تكرارًا في القرآن، وفي السور المكية بصفة خاصة.