الصفحة 216 من 379

"وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ".

لقد وقع لإبراهيم ذلك الابتلاء الهائل حين أمر بذبح ابنه الحبييب إسماعيل، فاستجاب لأمر الله هو وإسماعيل و"أسلما"لهذا الأمر الذي ترتج له القلوب:"فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ" [1] .

ولما تم الابتلاء على هذه الصورة الرهيبة الرائعة، واجتاز إبراهيم الابتلاء مستقر القلب بالإيمان والتسليم الكامل لله، اصطفاه الله للإمامة، جزاء على هذه الدرجة الرائعة من التجرد لله:"قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا".

وبمشاعر البشر، التي لا تفارق البشر حتى وهم أنبياء تطلع إبراهيم أن تكون الإمامة من حظ ذريته من بعده:"قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي"إنه سؤال مهذب لطيف، ولكنه يحمل في طياته تلك اللهفة التي يحسها الآباء على مصير أبنائهم، والرغبة المتطلعة إلى المكانة الرفيعة لهم في الأرض.

ولكن الرد الرباني يأتي حاسمًا لا يجامل أحدًا ولو كان هو إبراهيم الخليل، ولو كان في لحظة التكريم والتقريب:"قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ". ولعل في ذلك إيذانًا بأنه سيكون من ذرية إبراهيم ظالمون .. وأن العهد سينزع منهم.

"وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ".

إن"البيت"الذي تستند إليه الأمة الجديدة ويرتبط تاريخهم به، قديم في التاريخ، ومرتبط ارتباطًا قويًا بإبراهيم، الذي يريد بنو إسرائيل أن"يستوعبوه"لهم وحدهم، وزعموا أن كل ما يختص بإبراهيم فهو شأنهم وحدهم!

ولقد جعل الله البيت مثابة للناس وأمنًا .. يثوب إليه الناس فيؤمِّنهم من فزعهم، سواء فزع الدنيا أو فزع الآخرة، وأمر أن يتخذ مقام إبراهيم مصلى، تعظيمًا لإبراهيم ورفعًا لشأنه .. وإن البيت كله لمصلى .. ولكن مقام إبراهيم مكان متميز في البيت، والصلاة فيه ذات شأن خاص ..

وبهذه المناسبة يذكر أن الأمر الرباني كان قد صدر لإبراهيم وإسماعيل أن يطهرا البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود ..

ويدعو إبراهيم ربه في بيته المعظم أن يمن على البلد الذي يحوي هذا البيت، ولكنه الآن قد وعى الدرس الذي تلقاه وهو يطلب العهد لذريته!

"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ..".

(1) سورة الصافات: 103 - 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت