"وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [1] .
ثم كانوا لا يؤمنون بالقرآن ولا بالكتب المنزلة من قبله:
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ" [2] .
وكانوا ينكرون الوحي أصلًا:
"وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ" [3] .
كما كانوا بطبيعة الحال ينكرون نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ونبوة موسى وعيسى عليهما السلام إذ لم يتبعوهما وإن كانوا يستخدمون اسميهما في الجدل فقط مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
"فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ" [4] .
"وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ" [5] .
أما القدر فمع إيمانهم النظري بأنه من عند الله، فقد كانوا يرون أن آلهتهم -أو كهنتهم- قادرون على رد هذا القدر وتغييره والتصرف فيه كيف يشاءون ..
وهذه الانحرافات الاعتقادية كلها كانت في حاجة إلى تصويب .. فضلًا على كونها في الحقيقة متصلة كلها بأصل العقيدة في الله، وبالتصور الصحيح لله ..
لا يستقيم التصور الصحيح لله سبحانه إذا لم ينزه عن كل لون من ألوان الشرك على الإطلاق. سواء الشرك في الاعتقاد أو الشرك في الاتباع، وهما متصلان في الحقيقة.
وكل تصور بأن لله بنين أو بنات، أو شركاء من أي نوع يشاركونه -سبحانه- في تدبير الأمر وتصريفه، هو -بالإضافة إلى مخالفته للحقيقة الربانية- فساد في العقيدة لا تستقيم به حياة البشر على الأرض. ومن ثم فهو يخطئ خطيئتين، أو خطيئة ذات شقين: خطيئة في حق الله الواحد المنزه عن الشريك. وخطيئة في حق الإنسان الذي يتصور ذلك التصور الفاسد، فتضطرب حياته في الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين:"خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ" [6] .
وفي سبيل تصحيح الاعتقاد، بما ينبغي لله سبحانه وتعالى من الإقرار الكامل بالألوهية والربوبية، والتنزيه الكامل عن الشريك تحدث القرآن في السور المكية في كثير من المواضع عن الأولاد والبنات المنسوبين لله سبحانه من جن وملائكة، كما تحدث عن الآلهة المزعومة الأخرى التي يعبدها أصحابها لتقربهم -في وهمهم- إلى الله زلفى:
"تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا" [7] .
(1) سورة الأنعام: 100 - 101.
(2) سورة سبأ: 31.
(3) سورة الأنعام: 91.
(4) سورة القصص: 48.
(5) سورة الزخرف: 57 - 58.
(6) سورة الحج: 11.
(7) سورة الفرقان: 1 - 3.