الصفحة 70 من 379

"أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ..." [1] .

وهكذا يلتقي في نسيج الأحداث خطان متوازيان، بل ملتحمان، دون تعارض في حس المسلم بين هذا وذاك: هو من عند أنفسكم. وهو بإذن الله لحكمة يريدها الله .. كانت في هذا الحادث بالذات تمييز المؤمنين من المنافقين، وكشف أولئك الأخيرين في الموقف العملي، ليعلم حقيقتهم من كان ينخدع فيهم من المؤمنين ..

ويجري الأمران معًا بلا تعارض: تتبين للمؤمن حكمة الحدث .. وقد لا تتبين له في لحظتها كما حدث في أحد، وقد تمر أجيال حتى تتبين الحكمة .. ولكن يعرف المؤمن دائمًا أن هناك حكمة وراء قدر الله، فيرضى به ويستسلم له، بمعنى ألا يقضي الحدث على روحه، ولا يحطم مشاعره، ولا يبدد عزيمته، ولا يقعده عن المضي في الطريق، ويعرف في ذات الوقت مسئوليته هو الذاتية عن وقوع هذا القدر إن كان قد وقع بسبب خطأ منه أو تقصير، فيسعى إلى إصلاح الخطأ، ويبذل مزيدًا من الجهد ليعوض التقصير ..

ذلك هو المعنى الصحيح للإيمان بقدر الله، خيره وشره؛ وذلك هو أثره في نفوس المؤمنين به: دفعة هائلة للحركة والجهاد في واقع الأرض، وهي التي كتبت ذلك التاريخ الزاخر لأمة الإسلام ..

فأما حين بدأت هذه الأمة تنحرف عن التصور الصحيح للإسلام وتنحرف كذلك عن السلوك الصحيح، فقد وقع ذلك الانحراف في عقيدة القضاء والقدر .. الذي يحسبه الجهال هو الإسلام!!

ذلك هو الجانب من العقيدة المختص بالإيمان بالغيب: الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين .. والقدر خيره وشره.

وبقي جانب آخر تتحدث عنه السور المكية، متصل بالعقيدة كذلك ومرتبط بها، وإن كان يتعلق أكثر بالواقع المشهود لا بالغيب المحجوب، إلا من حيث صلته بذات الله سبحانه: ذلك هو: قصص الأنبياء، وقصة آدم والشيطان، والأخلاق الإيمانية بدلًا من الأخلاق الجاهلية.

(1) سورة آل عمران: 165 - 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت