"وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ، أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ، أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ، أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ، جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ، كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ، وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ، إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ، وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ" [1] .
"مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ" [2] .
"كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ" [3] .
ومع التسرية عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- التسرية عن المؤمنين كذلك وهم يلقون العنت والتشريد والعذاب بسبب إيمانهم، فيعرض عليهم قصص الأمم السابقة ليعلموا أن هناك مؤمنين قبلهم أذيقوا ألوان العذاب والتشريد ثم صبروا على عقيدتهم، ثم يخبرهم أن العاقبة للمتقين، إما بنصر في الحياة الدنيا يقدره الله، وإما بالجزاء الأوفى في الآخرة. وهنا ترد -كثيرًا- قصة قوم موسى مع فرعون وهو يسومهم سوء العذاب، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ثم منّ الله عليهم بالنجاة والتمكين جزاء ما صبروا. وترد كذلك -مرات كثيرة- قصة السحرة الذين آمنوا لموسى، فقضى عليهم فرعون بالصلب والقتل فثبتوا على عقيدتهم رغم التهديد، ورغم التنفيذ .. كما ترد قصة أصحاب الأخدود، النموذج الأعلى في الصبر على العقيدة إزاء الفتنة التي تفوق كل احتمال، فتنة الحرق بالنار. والنماذج كثيرة ومتعددة نجتزئ ببعضها:
فهؤلاء قوم موسى يقولون له في سورة الأعراف:"أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا"فيقول لهم:"قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ". ثم ينتهي السياق بقوله تعالى:".. وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ" [4] .
ونبدأ سورة القصص هكذا:
(1) سورة ص: 4 - 15.
(2) سورة فصلت: 43.
(3) سورة الذاريات: 52 - 53.
(4) سورة الأعراف: 129 - 137.