الصفحة 84 من 379

لا يأتي القصص في القرآن للمتعة الفنية .. وإن كان فيه ولا شك متعة فنية هائلة لمن أراد!

إنما يأتي القرآن كله للتربية والتوجيه .. لبناء الأمة الراشدة التي تقوم بمهمة الخلافة الراشدة في الأرض. ويجيء القرآن في الفترة المكية بصفة خاصة -كما ذكرنا- لتأسيس العقيدة الصحيحة وترسيخها، لتكون بعد ذلك الأساس الذي يقوم عليه البناء كله .. السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحربي والمدني والخلقي والفكري والتعليمي .. إلى آخر ما يقوم عليه نظام في حياة الناس ...

والقصص الوارد في السور المكية [والمدنية كذلك كما سنرى فيما بعد] هو جزء من هذه التربية وهذا التوجيه .. وجزء في الوقت ذاته من البناء العقيدي للإنسان المسلم .. وقد رأينا ذلك من قبل في قصص الأنبياء مع أقوامهم، ونراه الآن في قصة آدم والشيطان ...

إنه مما يهم البشر ولا شك أن يعرفوا تاريخهم .. ولكن يعرفوه للعبرة لا لمجرد التسلية ..

وقصة آدم والشيطان قصة ذات دلالة خاصة بين القصص القرآني كله، فهي تحدد للبشر مبدأهم ومنتهاهم ودورهم في الأرض وخطة سيرهم فيها، والعقبات التي تقابلهم في أثناء رحلتهم، وطريقة تجنب هذه العقبات وتخطيها!

الإنسان مكون من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله .. هذان هما العنصران المكونان له .. ولهذا التكوين دلالة في طبيعته المتفردة، ودوره المتفرد كذلك:

"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" [1] .

إنه مخلوق ذو طبيعة مزدوجة: مادية وروحية في ذات الوقت.

قبضة الطين تمثل جانبه المادي، ونفخة الروح تمثل جانبه الروحي. ولكنهما غير منفصلين ..

"إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" [2] .

فالتسوية أعطته شكله الآدمي، ولكن النفخة العلوية التي امتزجت بهذا الكيان المادي هي التي أعطته صورته النهائية التي أمر الملائكة بالسجود لها .. صورة"البشر"المكتملة التكوين ..

ومنذ هذا المولد في التاريخ السحيق، والبشر هم كما خلقهم الله: كيان مادي وكيان روحي ممتزجان في كيان واحد، مترابطان لا ينفصلان .. وحياة الإنسان -منذ تلك اللحظة إلى هذه اللحظة، وفي كل لحظة- ذات طابع مادي روحي في ذات الوقت.

إن نسيج نفسه، ونسيج حياته كذلك، يتكون من خيطين معًا في وقت واحد، خيط مادي وخيط روحي. ولا توجد رقعة في النسيج كله، ولا توجد لحظة في الحياة كلها، مكونة من احد الخيطين دون الآخر ..

هنالك رقعة في النسيج ولحظة في الحياة يكون الخيط المادي فيها أكنف وأغزر، فتكون أكثر عتامة، ورقعة أخرى يكون فيها الخيط الروحي أبرز وأظهر فتكون أشف .. ولكن لا هذه ولا تلك يتكون نسيجها من خيط واحد منفرد، ولو بدا ذلك للنظرة السريعة التي لا تتفحص ولا تنعم النظر في الأشياء!

لحظة المتاع الحسي الغليظ، من طعام أو شراب أوجنس، تبدو -عند بعض الناس على الأقل- كأنها لحظة جسد خالصة؛ رقعة نسيج مادي معتمة لا ينفذ منها النور ..

ولحظة العبادة الخاشعة، ولحظة السياحة الروحية المرفرفة في ملكوت الله، ولحظة العاطفة المستعلية، التي يستعلي بها الإنسان على ذاته، ويستعلي بها على متاع الأرض، فيؤثر أخاه على نفسه، ويضحي بنفسه أو ماله أو أمنه أو راحته في سبيل شيء أكبر من ذاته .. لحظة تبدو كأنها لحظة روح خالصة، شفيفة ورائقة .. لا أثر فيها لقبضة الطين!

والحقيقة أنها مبالغة تعبيرية لا تمثل الواقع!

(1) سورة الإسراء: 70.

(2) سورة ص: 71 - 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت