الصفحة 187 من 251

أما إن حاولت أن تعالج كل أنواع التخلف السالفة بغير العودة إلى ذلك المعين، فسيظل جهدها قاصرًا، ولا يؤدي إلى ثمرة. وتجربة قرن كامل من الزمان - أو أكثر من قرن في بعض بلاد العالم الإسلامي - كفيلة ببيان هذه الحقيقة. فقد بذلت بلاد العالم الإسلامي جهدًا في"اللحاق"بركب"الحضارة"- أو في اللهاث وراء الغرب في الواقع - فكانت النتيجة قشرة حضارية زائفة لا تعالج شيئًا في الحقيقة، ومزيدًا من الضعف السياسي والحربي والاقتصادي.. وفي جميع الميادين.

والعلاج"الموضوعي"لكل أنواع التخلف واجب مفروض على الأمة، إن أرادت أن تُصلح أحوالها، ولكنه - وحده - لن يحل شيئًا، ما لم يقم على أساس حقيقي:

(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) . [سورة التوبة، الآية 109] .

ذلك ما ينبغي أن تُبصّر به الأمة إن أريد لها أي صلاح حقيقي..

ولكنا هنا في هذه الفقرة لا نتحدث عن الأمة الإسلامية بالذات.. إنما نتحدث على مستوى العالم كله، لنعرف ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين.

يمكن أن نلخص الخسارة الكبرى بأنها غياب النموذج الصحيح، الذي ترتب على غيابه بروز النموذج الفاسد وتثبيته وسيطرته على الساحة، ونشر الفساد منه إلى كل الأرض.

وما نقول إن بقاء الأمة الإسلامية وقيامها برسالتها - أو بالأحرى رسالتيها - (1) كان سيمنع الفساد كلية من الأرض! فقد سبقت كلمة ربك ألا تجتمع البشرية في أمة واحدة، ولا تكون كلها صالحة:

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) . [سورة هود، الآيتان 118، 119] .

(1) راجع"رسالة الأمة المسلمة"في أول هذا الفصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت