كان لهذا الميلاد النكد آثار خطيرة في تشكيل خصائص الجاهلية المعاصرة.
فلقد جمعت هذه الجاهلية في أطوائها مواريث مختلفة وتأثرات مختلفة، جعلت منها في النهاية صورتها الحالية التي يمكن تلخيصها في كلمتين: تقدم هائل في العلوم المادية والتكنولوجيا والعمارة المادية للأرض، وانتكاسة هائلة في الجانب الروحي والقيم المعنوية اللازمة لحياة الإنسان.
لقد ورثت من الجاهلية الإغريقية عبادة العقل، وعبادة الجسد في صورة جمال حسيّ، والروح الوثنية في النظر إلى الكون والحياة والإنسان، وبصفة خاصة علاقة الصراع بين البشر والآلهة، حيث الآلهة تريد تدمير الإنسان، والإنسان يريد أن يُثبت ذاته بالتمرّد على الآلهة.
وورثت من الجاهلية الرومانية عبادة الجسد في صورة شهوات حسيّة، وتزيين الحياة الدنيا لزيادة الاستمتاع الحسيّ بها إلى أقصى الغاية، ومن ثم الاهتمام البالغ بالعمارة المادية للأرض.
وورثت منهما معًا نزعة الاستعمار، واستعباد الآخرين من أجل شهوة السيطرة من ناحية، ومن أجل زيادة الفراهية الحسية من ناحية أخرى.
وأخذت من المسلمين المنهج التجريبي في البحث العلمي، الذي كان أساس كلّ التقدم العلمي الحديث، واستفادت من علومهم كلّها بما فيها الفيزياء والكيمياء والرياضيات والطبّ والفلك، كما استفادت من وسائلهم الحضارية الأخرى، (وأضافت إليها كثيرًا بالطبع) ، كما أخذت منهم روح التفكير الحرّ في مختلف مجالات الفكر، وروح المغامرة في فجاج الأرض واستكشاف مجاهيلها.
وفي الأخير جاءها التأثير اليهودي، الذي نفذ من الثغرات التي أوجدها نفور أوربا من الدين، فصبغ الحياة الأوربية بالصبغة النفعية، وعمّق الاتجاهات المادية، وزاد من الجفوة الروحية، ونشر التفسخ الأخلاقي في المجتمع الأوربي، مستغلاًّ