تعتزّ أوربا بجاهليتها المعاصرة اعتزازًا شديدًا، وترى أنها شيء غير مسبوق في التاريخ، وأنه لا يتأتى لأمة في الوجود أن تبرز مثلها أو قريبًا منها.. وترى أنها جماع الخير كله.
وفي أثناء اعتزازها تنسب نفسها أحيانًا إلى المسيحية، فتتحدث في نبرة اعتزاز عما تسميه"الحضارة المسيحية"! Christian Civilization ولكنها تعود فتنسب نفسها إلى الحضارة الإغريقية الرومانية Greco - Roman وتقول: إن جذورها كلّها نابعة من هناك. وفي جميع الأحوال تنكر أثر الإسلام والحضارة الإسلامية في قيام"نهضتها"الحديثة، وتقدمها حتى استوت على قدميها.
والحقيقة أن هذه الجاهلية المعاصرة قد جمعت أصولًا متعددة وتأثرات شتّى، تجمع بين الخير والشرّ، وإن غلب عليها الشرّ في النهاية بسبب بعدها عن الله، وتمردها على كلّ شيء يأتي من طريق الوحي الرباني.. الأمر الذي دخلت من أجله في عداد الجاهليات، ولم ينفعها ما اشتملت عليه من جوانب الخير.
وإذا تتبعنا النشأة التاريخية للجاهلية المعاصرة فسيتبين لنا جذورها ومكوّناتها، والعناصر التي أثرت في تشكيلها على النحو الذي تشكلت به.
ومن الواضح أن الجذور الإغريقية الرومانية عميقة في التربة الأوربية، وأن الجاهلية المعاصرة تُعتبر بحقّ هي الوريثة للجاهلية الإغريقية والجاهلية الرومانية (1) ، والامتداد الحقيقيّ لهما، ولكن خمائر جديدة تفاعلت مع التراث الإغريقي الروماني، فكونت منه الواقع المعاصر، بحيث يُصبح قولنا إن أوربا اليوم هي الامتداد لذلك
(1) نسميها جاهلية بالمقياس الرباني الذي أشرنا إليه آنفًا وهو الجهل بحقيقة الألوهية واتباع غير ما أنزل الله، وكتب التاريخ تسميها"حضارة"فتقول"الحضارة الإغريقية"و"الحضارة الرومانية"ونقول نحن: لا بأس! فهي"حضارة جاهلية"بالمعيار الرباني.