الصفحة 178 من 251

ثالثا: الواقع المعاصر

لا يحتاج الإنسان إلى كبير جهد ليُدرك أن الواقع المعاصر للمسلمين هو أسوأ ما مر بهم في تاريخهم كله.

ولا يحتاج إلى كبير جهد كذلك ليدرك أن أوضاع المسلمين من السوء بحيث تجعلهم أسوأ كثيرًا حتى من الجاهلية المحيطة بهم، بل تبدو الجاهلية المعاصرة قمة شامخة يعيش"المسلمون"إلى جوارها في الحضيض.

فإلى جانب التخلف المزري في كل جوانب الحياة السياسية والحربية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والفكرية والخلقية، يوجد الضعف المزري لا أمام"القوى العالمية"وحدها، بل أمام أصغر القوى وأضألها في الدويلات الآسيوية والأفريقية، المتخلفة في ذاتها، الضعيفة في كيانها، ولكنها تستأسد على المسلمين، فتقيم لهم المذابح بين الحين والحين، وتجتاح أرضهم، وتخرب ديارهم، وتنتهك أعراضهم، وكأنهم حمىً مباح لكل معتد أثيم.

وإلى جانب هذا وذلك، الضياع الفكري والروحي الذي جعل الأمة الإسلامية - لأول مرة في تاريخها - تنظر إلى الجاهلية على أنها أفضل منها، وتنظر إلى الإسلام على أنه رجعية وتخلف ينبغي الانسلاخ منه واتباع الجاهلية!

ولقد تحدثتُ بتفصيل كاف عن هذا الواقع المعاصر وأسبابه ونتائجه في كتاب"واقعنا المعاصر"، مما لا أحتاج معه إلى إعادة الحديث. ولكن لا بد مع ذلك من سطور قلائل في وصف هذا الواقع، ليتبدى الفرق الهائل المذهل بين ماضي الأمة وحاضرها، حتى لكأنهما مختلفتان لا يربط بينهما رباط!

كيف انحدرت الأمة من مستواها الرفيع الذي أشرنا إلى لمحات منه، حتى صارت ذلك الغثاء الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يُوشك أن تَداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكَلَة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله مهابتكم من صدور أعدائكم، وليقذفن في قلويكم الوَهْنُ. قالوا: وما الوهن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت