أمة التوحيد
بين الماضي والحاضر
حين تحدثنا في الفصلين السابقين عن الواقع المعاصر للأمة النصرانية والأمة اليهودية، احتجنا أن نتعرف على الجذور التاريخية لكل منهما، لكي نقرأ الحاضر على ضوء تلك الجذور، ونعرف من خلال المسيرة التاريخية لكل منهما أي عوامل أثرت في كيانها حتى وصلت بها إلى واقعها المعاصر، ثم بينا أثر هذا الحاضر في أحوال العالم المعاصرة.
ونحن مع الأمة الإسلامية كذلك..
لا نستطيع أن نقرأ حاضرها حتى نتعرف أولًا على رسالتها التي أُخرجت من أجلها، والصورة الصحيحة لأداء هذه الرسالة في عالم الواقع، كما بدت من خلال فترة غير قصيرة من المسيرة التاريخية؛ ثم نتعرف على العوامل التي أثرت فيها فحوّلت مسيرتها، وأوصلتها إلى واقعها المعاصر؛ ثم نستعرض أثر هذا الحاضر في أحوال البشرية المعاصرة..
أولا: تمهيد في رسالة الأمة المسلمة
لقد أخرج الله هذه الأمة لتؤدي رسالة خاصة لم تُكلَّف بها أمة من قبل، ولم تتهيأ لها أمة في التاريخ.
فأما الأمم السابقة كلها فقد كُلفت أن تستقيم لله في ذات نفسها فحسب:
(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) . [سورة البينة، الآية 5] .
وكذلك كلفت هذه الأمة ذات التكليف:
(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) . [سورة النساء، الآية 36] .
(فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) . [سورة غافر، الآية 14] .