أولا: تمهيد في معنى الجاهلية
يستنكر كثيرٌ من الناس أن نصف الأوضاع السائدة في معظم أرجاء الأرض اليوم بأنها"جاهلية"، ويحسبُون ذلك تزايدًا لا يليق، ووصفًا خاطئًا، لا يتناسب مع واقع الحال.
والسبب في ذلك أنهم يفهمون من الجاهلية صورة معينة، يرونها غير منطبقة على الواقع اليوم.. فيبنغي أولًا أن نفهم حقيقة الجاهلية، لنرى مدة انطباقها على هذا الواقع أو بُعدها عنه.
ولنعلم - بادئ ذي بدءٍ - أن لفظ"الجاهلية"مصطلح قرآني. وهذه الصيغة بالذات - صيغة"الفاعلية"- لم ترد في استعمال الحرب قبل نزول القرآن الكريم. فقد استخدموا الفعل"جَهِلَ"، وتصريفاته المختلفة، واستخدموا المصدر:"الجهل"و"الجهالة"، ولكنهم لم يستخدموا صيغة"الفاعلية" (جاهلية) ، ولا هم وصفوا أنفسهم ولا غيرهم بأنهم"جاهليون". إنما جاء وصفهم بهذه الصفة في القرآن الكريم، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمصطلح القرآني - كل مصطلح قرآني - هو استخدام خاصٌّ للفظٍ من الألفاظ، يُخصصه بمعنى مُعيّن، لا يُفهم من المعنى اللغويّ على هذا النحو الخاص إلا بتخصيص القرآن الكريم له، وإن كان يدخل - بداهة - في إطار المعنى العام..
فالصلاة في اللغة مثلًا هي الدّعاء. والزكاة هي الطّهارة. والدّين هو ما يعتقده الإنسان ويدين به. والإيمان هو التصديق..
ولكن"الصلاة"في المصطلح القرآني، هي تلك الهيئة الخاصة التي يقف فيها الإنسان بين يدي مولاه، متّجهًا وجهة معينة، راكعًا ساجدًا قائمًا قاعدًا داعيًا مسبّحًا كما أمر الله، وكما بيّن رسوله صلى الله عليه وسلم.