الصفحة 23 من 251

التراث قولًا ناقص الدلالة مع أنه صحيح في جملته.

ففي الفترة التي سيطرت فيها جاهلية الدين الكنسي المحرف (1) ، كانت الجذور الإغريقية الرومانية قد جفّت وكادت تموت، وساد أوربا الظلام الذي أحدثته جهالة الكنيسة وطغيانها، وتحريفها للدين المنزل، وتحويله من دين توحيد إلى دين تثليث وشرك، وفصل عقيدته عن شريعته، وتقديمه للناس عقيدة - محرّفة - بلا شريعة (2) .

وحقيقة إن اللغة اللاتينية ظلت هي لغة الدِّين الرسمية، والإغريقية لغة العلم والأدب، ولكن مجالهما ظلّ يضيق باستمرار، وظلّ الناس ينصرفون عن المعرفة، ويغرقون في الظلام.. حتى جاء الإسلام فأيقظهم.

وكتب التاريخ الأوربية لا تنكر أن الاحتكاك بالمسلمين، هو الذي أيقظ أوربا من سباتها - إلا غُلاة الغلاة منهم! - ولكن الكثرة الكاثرة تُرجع اليقظة إلى أن أوربا حين احتكت بالمسلمين عثرت على تراثها الإغريقي محفوظًا عندهم، فعادت إلى الاستمداد منه بعد أن كانت قد نسيته - أو فقدته - في فترة الظلام الكنسي!

وتلك مغالطة تنطوي على مجموعة من المغالطات!

فمما لا شك فيه - عندي - أن ما يُسمّى"الفلسفة الإسلامية"هو فكر إغريقي وإن تناول موضوعات إسلامية، أو قل إن شئت إنه عرض للإسلام من خلال أداة غريبة على الإسلام، هي"الفلسفة الإغريقية"، و"المنطق الإغريقي".

ومما لا شك فيه كذلك أن أوربا - حين أرسلت مبعوثيها ليتعلموا في المدارس الإسلامية في الأندلس والشمال الأفريقي وصقلية الإسلامية وبلاد المشرق، وحين ترجمت الكتب الإسلامية، قد وجدت - فيما وجدت - تراثها الإغريقي مرة أخرى مترجمًا بالعربية في كتب"الفلسفة الإسلامية"، ومضافًا إليها إضافات.. فوصل ذلك ما بينها وبين تراثها الذي كانت قد فقدته أو نسيته في عصور الظلام الكنسي.

ولكن القول بأن هذا هو الذي أيقظ أوربا، هو تبجح المغرور منكر الجميل،

(1) هي جاهلية بنفس الاعتبار الذي أشرنا إليه آنفًا وإن كانت ترفع شعارات"الدين".

(2) انظر بالتفصيل إن شئت فصل"دور الكنيسة"في كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت