الذي لا يريد أن يعترف بالحقّ، والحقّ محيط به من كل جوانبه!
فلقد كان التراث الإغريقي الروماني الأصلي قائمًا موجودًا في متناول أيدي الأوربيين في عصور الظلام، فلا هو أيقظهم من سباتهم، ولا هم مدوا أيديهم إليه ليتناولوه!
إنما الذي أيقظهم هو الإسلام.
وسواء كان احتكاكهم بالإسلام والمسلمين، هو الاحتكاك السلمي في الأندلس، أو الاحتكاك الحربي في الحروب الصليبية، فقد كان هذا الاحتكاك هو الذي أشعرهم بما هم فيه من ظلام وتخلف، وحفزهم إلى إرادة الحياة، بعد أن كانوا قد أخلدوا إلى السّبات الذي يُشبه الموت.
يقول"الفارو القرطبي"عن أثر المسلمين في نصارى الأندلس:
"يطرب إخواني المسيحيون بأشعار العرب وقصصهم، فهم يدرسون كتب الفقهاء والفلاسفة المحمديين لا لتفنيدها، بل للحصول على أسلوب عربي صحيح رشيق. فأين تجد اليوم علمانيًّا (1) يقرأ التعليقات اللاتينية على الكتب المقدسة؟ وأين ذلك الذي يدرس الإنجيل وكتب الأنبياء والرسل؟ واأسفاه! إن شباب المسيحيين الذين هم أبرز الناس مواهب، ليسوا على علم بأي أدب ولا أية لغة غير العربية، فهم يقرأون كتب العرب ويدرسونها بلهفة وشغف، وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهظة، وإنهم ليترنمون في كلّ مكان بمدح تراث العرب. وإنك لتراهم من الناحية الأخرى يحتجون في زراية إذا ذكرت الكتب المسيحية بأن تلك المؤلفات غير جديرة بالتفاتهم! فواحرّ قلباه! لقد نسي المسيحيون لغتهم، ولا يكاد يوجد منهم واحد في الألف قادر على إنشاء رسالة إلى صديق بلاتينية مستقيمة! ولكن إذا استدعى الأمر كتابة بالعربية، فكم منهم من يستطيع أن يعبر عن نفسه في تلك اللغة بأعظم ما يكون من الرشاقة، بل قد يقرضون من الشعر ما يفوق في صحة نظمه شعر العرب أنفسهم" (2) .
(1) لعله يقصد المشتغلين بالعلم.
(2) فون جرونيباوم، حضارة الإسلام، ص 81 - 82 من الترجمة العربية، إصدار مشروع الألف كتاب، وزارة =