وقد كان مثل هذا التأثير، العائد مع المبتعثين الأوربيين إلى مدارس المسلمين في المغرب والأندلس وبلاد المشرق، هو الذي أثار جنون الكنيسة الأوربية، فراحت تحرق العلماء الذين نادوا بأفكار اكتسبوها من علوم المسلمين، محاولة منها لوقف التيار الجارف الذي نشأ في الفكر الأوربي نتيجة الاحتكاك بالإسلام.
يقوول بريفولت في كتاب"بناء الإنسانية Making of Humanity":
"فالعالم القديم - كما رأينا - لم يكن للعلم فيه وجود. وعلم النجوم عند اليونان ورياضياتهم كانت علومًا أجنبية استجلبوها من خارج بلادهم وأخذوها عن سواهم، ولم تتأقلم في يوم من الأيام فتمتزج امتزاجًا كليًّا بالثقافة اليونانية. وقد نظّم اليونان المذاهب وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات. ولكن أساليب البحث في دأب وأناة، وجميع المعلومات الإيجابية وتركيزها، والمناهج التفصيلية للعلم، والملاحظة الدقيقة المستمرة، والبحث التجريبي، كلّ ذلك كان غريبًا تمامًا عن المزاج اليوناني. أما ما ندعوه"العلم"فقد ظهر في أوربا نتيجة لروح من البحث جديدة، ولطرق من الاستقصاء مستحدثة، من طرق التجربة والملاحظة والمقاييس، ولتطور الرياضيات إلى صورة لم يعرفها اليونان. وهذه الروح وتلك المناهج العلمية، أدخلها العرب إلى العالم الأوربي" (1) .
"ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد أوربا إلى الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوربية" (2) .
لقد كان أهم ما كسبته أوربا من الاحتكاك بالإسلام والمسلمين هو إرادة الحياة.
= التعليم العالي، بالقاهرة.
(1) عن كتاب"تجديد الفكر الديني"تأليف محمد إقبال ترجمة عباس محمود، ص 250 من الترجمة العربية.
(2) المصدر السابق ص 149.