لقد احتكوا بأمة حية قوية متعلّمة ذات حضارة وفكر وَثَّاب.. فأرادوا أن تكون لهم حياة مماثلة، فغيروا نظرتهم إلى الأمور كلّها، وغيروا منهج حياتهم من جذوره.. فانبعثوا أمة جديدة.
كان دينهم الذي حرفته الكنيسة يدعوهم إلى إهمال الحياة الدنيا من أجل الآخرة، تفسيرًا خاطئًا منهم لقول المسيح عليه السلام - إن كان قد قال بالفعل -"من أراد الملكوت فليترك ماله وأبناءه وليتبعني.."، فقد أنزل الله على المسلمين مثل هذا التوجيه فلم يفهموا منه ما فهمت الكنيسة من القول المنسوب إلى المسيح عليه السلام.
قال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) . [سورة التوبة، الآية 24] . ولكن المسلمين لم يترجموا ذلك إلى رهبانية سلبية مهملة لواقع الأرض، لأن تعاليم الإسلام كلّها كانت تدعو إلى ممارسة الحياة الواقعية بكلّ اتجاهاتها وكل مجالاتها، لتحقيق"الملكوت"في واقع الأرض، وذلك بتطبيق المنهج الرباني في دنيا الواقع، وتحكيمه في كلّ شئون البشر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والأخلاقية (1) ، وتظلّ الجنة بنعيمها الخالد هي الجزاء على ما يبذله البشر في الأرض من الجهد لتطبيق ذلك المنهج في واقع الحياة، ولا تكون هي الجزاء على ترك الدنيا يعمل الفساد فيها فلا يُقاوَم، ويَحكم القيصر فيها بهواه فيفسد في الأرض.
وكان دينهم الذي حرّفته الكنيسة يدعو الناس إلى الرضا بالذلّ والهوان في الحياة الدنيا من أجل نعيم الآخرة، تفسيرًا خاطئًا لقول المسيح عليه السلام - إن كان قد قال بالفعل -"من خدم سيدين في الدنيا خير ممن خدم سيدًا واحدًا"ولكن الإسلام
(1) التفت المستشرق الكندي المعاصر ولفرد كانتول سميث إلى هذه النقطة في مقدمة كتابه"الإسلام في التاريخ الحديث"فقرر أن النصارى يرون أن الملكوت لا يتحقق إلا في الآخرة بينما يسعى المسلمون إلى تحقيقه في الحياة الدنيا بتطبيق الشريعة.