كان يعلم الناس ألا يرضخوا للظلم في الحياة الدنيا، بل يقاوموه ما وسعهم الجهد، لإقامة العدل الرباني المتمثل في الشريعة المنزلة، وأنذر الذين يرضون بالذلّ والظلم ولا يقاومونه - وهم مستطيعون - بالعذاب الأليم في الآخرة: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) . [سورة النساء، الآيات 97 - 99] . وهؤلاء المستضعفون حقًّا، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، ليسوا كذلك متروكين للذُلِّ يأكلهم ويسحق وجودهم، إنما هناك من يُحَضُّ على تخليصهم مما هو واقع بهم:
(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ(1) مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا، الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) . [سورة النساء، الآيات 74 - 76] .
وكان دينهم الذي حرّفته الكنيسة يضفي على"رجال الدين"قداسة ليست لهم في الدين الحقيقي، مبنية على سلسلة من الأساطير التي ابتدعها بولس وغيره من المبتدعين، تبدأ بتأليه عيسى عليه السلام، ودعاء بنوّته لله سبحانه وتعالى، ثم بقول منسوب للمسيح عليه السلام، أنه قال لبطرس:"أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكلّ ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السماوات، وكلّ ما تحلّه على الأرض يكون محلولًا في السموات" (2) . ثم إن بطرس منح هذا السلطان القدسي للبابوات من
(1) أي المستضعفين حقيقة.
(2) إنجيل متى، الإصحاح السادس عشر، 19 - 20.