الصفحة 28 من 251

بعده، فصار لكلّ منهم قداسة، ولكلمته سلطان مقدّس. وبهذا السلطان طغوا في الأرض بغير الحقّ، وكان من ضمن طغيانهم حظر التفكير على العقل البشري - لكي لا يُفكّر فيما ابتدعته الكنيسة من الخزعبلات، ولكي يظلّ للكنيسة سلطانها المقدس - فجمد العقل الأوربي عشرة قرون متوالية هي عصور الظلام التي رفرف عليها دين الكنيسة المحرف، وامتلأ هذا العقل بالأساطير، وحُرّم عليه أن يرى النور فرضي بالظلام. بينما كان الإسلام بريئا من ذلك لأنه دين الله الحقّ، فلا قداسة فيه لأحد غير الله سبحانه وتعالى، وحتى رسوله صلى الله عليه وسلم، يُؤمر أن يقول للناس (سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) . [سورة الإسراء، الآية 93] .. والمسلمون يُوقّرون رسولهم صلى الله عليه وسلم، ويطيعونه في كلّ أمر، ويسارعون إلى مرضاته، ولكنهم يعرفون أنه بشر، وأن دوره هو التبليغ عن ربه، وهو البيان لما أنزل من عند الله، وهو التربية والتوجيه لهم، ولكنه لا يملك لهم ولا لنفسه ضرًّا ولا نفعًا إلا ما شاء الله

ثم إن هذا الدين لا يحجر على العقل أن يُفكّر، بل يدعوه دعوة ملحّة أن يقوم بالتفكير والتدبر، والنظر في ملكوت السماوات والأرض، والتعرف على السنن الربانية في الكون المشهود وفي حياة البشر، وأن يسيروا في الأرض ويتفكروا.. ومن ثم انطلقت الأمة التي آمنت بهذا الدين، تجوب الآفاق.. آفاق الفكر وآفاق الأرض وآفاق العلم.. وتتفوق في كلّ الميادين.

لقد كان كلّ شيء في حياة المسلمين كأنه المقابل الكامل لما ألفته أوربا في قرونها الوسطى المظلمة..

لذلك كان الاحتكاك بين أوربا والمسلمين عظيم الأثر في حياتها، شاملًا لكلّ ميادين الحياة فيها، كما قال"بريفولت"في عبارته التي نقلناها عنه من قبل:"ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد أوربا إلى الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوربية".

وكانت أوربا قمينة - كما قال المؤرخ البريطاني"ويلز"في كتاب"معالم تاريخ الإنسانية"- أن تدخل في الإسلام. يقول:"ولو تهيأ لرجل ذي بصيرة نفّاذة أن ينظر إلى العالم في مفتتح القرن السادس عشر فلعله كان يستنتج أنه لن تمضي إلا بضعة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت