وقد يبدو للعين السطحية النظرة أن ما هو موجود اليوم خاص بهذه الجاهلية - أو كما يسمونها هم: هذه"الحضارة"- ولكن الأمر ليس كذلك لمن يراجع التاريخ.. حقيقة إن"الوسائل"قد تغيرت. فلم يكن عند الإغريق والرومان سينما ولا تلفزيون ولا فيديو، ولا وسائل إفساد جماعية كالموجودة اليوم. ولكن من السذاجة المُفْرِطة أن يكون حكمنا مرتبطًا بالوسائل - التي من شأنها أن تتغير من عصر إلى عصر - إنما يجب أن يكون الحكم مرتبطًا بالأهداف والأفكار والمبادئ أكثر من ارتباطه بالوسائل، لأنها هي التي تتشابه فيها الجاهليات عبر التاريخ، والتي تتشابه فيها"القلوب"، كما جاء في القرآن الحكيم: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) [سورة البقرة، الآية 118] . وإن اختلفت الأجناس واللغات والأمكنة والأزمان.
إن المتاع محبب للإنسان، والعبارة القرآنية الحكيمة تُؤكد هذه الحقيقة: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) . [سورة آل عمران، الآية 14] . فليس المزين للناس - في الآية القرآنية - هو الشهوات. إنما هو"حبُّ الشهوات". وهو تعبير دقيق عن مدى توغل الشهوات في النفس الإنسانية. وكلّ زيادة في المبنى تدلّ على زيادة في المعنى كما يقول البلاغيون. ومن ثمّ فإن تَزْيين"حبّ الشهوات"آكد في بيان عمق الشهوات في النفس من تزيين الشهوات ذاتها، وأدلّ على أن النفس مفطورة على حبّ المتاع , ولحكمة ربانية أراد الله ذلك. ولكنه سبحانه وتعالى أمر الناس أن يضبطوا منطلق الشهوات (1) ، وأعطاهم الأداة المعينة على الضبط، والتوجيهات التي تجعله ميسرًا على أصحابه، وفي مقدمة ذلك الإيمان بالله واليوم الآخر والتوجه إلى القيم العُليا، والجهاد في سبيلها.
فحين لا يُؤمن الإنسان باليوم الآخر، تُصبح الحياة في حسّه فرصة واحدة إن ذهبت لا تعود، وهي فرصة محدودة بحدود العمر البشري، بل بحدود الصّحة والقوة والاستطاعة من ذلك العمر، وهي من ثم فرصة قصيرة قصيرة لا تُشْبِع! فيكون هَمُّ
(1) الضبط غير الكبت. راجع إن شئت فصل"فرويد"في كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام".