الصفحة 46 من 251

وهنا نأتي إلى ميراث من أخطر ما ورثته الجاهلية المعاصرة من الجاهلية الإغريقية بالذات.

إنه الميراث الذي يُصوّر العلاقة بين البشر وبين"الآلهة" (1) علاقة صراع دائم لا يكفّ لحظة: الآلهة تريد أن تدمر الإنسان، لأنه يُريد أن يُشاركها في ألوهيتها، وهي تُريد أن تتفرد وحدها بالألوهية، والبشر دائمو التمرّد على الآلهة لأنهم يريدون أن يثبتوا ذواتهم، ولا سبيل لهم إلى إثبات ذواتهم إلا بالتمرّد والعصيان!

ولعل أسطورة"بروميثيوس"سارق النار المقدسة هي أوضح تمثيل لهذا المعنى.

تقول الأسطورة - التي تشتمل على بعض الحقائق مشوهة تشويهًا أسطوريًّا، إلى جانب بعض التصورات الجاهلية الوثنية الخاطئة - إن"زيوس"إله الآلهة خلق الإنسان من قبضة من طين الأرض، وسواه على النار المقدسة، (التي ترمز في الأسطورة إلى المعرفة) ، ثم أهبطه إلى الأرض وحده في ظلام دامس، (يرمز في الأسطورة إلى الجهل) ، فأشفق عليه كائن أسطوري يُسمى"بروميثيوس"، (قد يكون رمزًا للشيطان والله أعلم) فسرق له النار المقدسة من الإله زيوس وأعطاها له (رمزًا لبدء تعلم الإنسان) ، فغضب الإله من هذا الأمر غضبًا شديدًا، لأن لإنسان قد اكتسب صفة من صفات الإله (وهي العلم) ؛ فصب جام غضبه على الإنسان؛ (المسمى في الأسطورة"إيبيمثيوس") ، وعلى"بروميثيوس"معًا، فأما"بروميثيوس"فقد وكل به نسرًا يرعى كبده طوال النهار، وتنبت له كبد جديدة في الليل، فيأتي النسر في النهار ليأكلها من جديد، وهكذا في عذاب أبدي!! أما الإنسان"إيبيمثيوس"فقد أرسل إليه امرأة (تُسمى في الأسطورة باندورا، وترمز إلى حواء) ، لكي تُؤْنسه (في ظاهر الأمر) . وأرسل معها هدية صندوقًا مغلقًا، فلما فتحه إذا هو مملوء بالشرور، فتناثرت الشرور من الصندوق وملأت سطح الأرض!

وليس الذي يهمنا من الأسطورة في هذا المقام هو علاقة الكراهية المتبادلة بين

(1) في كل الجاهليات الوثنية تتعدد الآلهة كما هو معلوم، ولكن يظل الفرق قائمًا بين الألوهية من جهة، والبشرية من جهة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت