والأمر نفسه حين تكون " المادة " - في أية صورة - هي القيمة العليا .. سواء في صورة " النظرية " كما في التفسير الماركسي للتاريخ! أو في صور " الإنتاج المادي " كما في أمريكا وأوروبا وسائر المجتمعات التي تعتبر الإنتاج المادي قيمة عليا تهدر في سبيلها القيم والخصائص والإنسانية .. فإن هذا المجتمع يكون مجتمعًا متخلفًا .. أو بالمصطلح الإسلامي مجتمعًا جاهليًا!
إن المجتمع المتحضر .. الإسلامي .. لا يحتقر المادة، فالإنتاج المادي من مقومات الخلافة في الأرض عن الله - ولكنه فقط لا يعتبرها هي القيمة العليا التي تهدر في سبيلها خصائص " الإنسان " ومقوماته! .. وتهدر من أجلها حرية الفرد وكرامته. وتهدر فيها قاعدة " الأُسرة " ومقوماتها، وتهدر فيها أخلاق المجتمع وحرماته .. إلى آخر ما تهدره المجتمعات الجاهلية من القيم العليا والفضائل والحرمات لتحقق الوفرة في الإنتاج المادي!
القيم والأخلاق ومكانتها في المجتمع الإسلامي:
القيم والاخلاق الإنسانية [1] هي السائدة في المجتمع الإسلامي، ولها المكانة العليا في هذا المجتمع، وهي ثابتة غير متبدلة أو متغييرة باختلاف البيئات، ولها ميزان ثابت فلا يوجد هناك قيم وأخلاق " زراعية " وأخرى " صناعية "! ولا قيم وأخلاق " رأسمالية " وأخرى " اشتراكية "، ولا قيم وأخلاق " برجوازية " وأخرى " صعلوكية "! ولا تكون هناك أخلاق من صنع البيئة ومستوى المعيشة وطبيعة المرحلة، إنما تكون هناك - من وراء ذلك كله - قيم وأخلاق " إنسانية " وقيم وأخلاق " حيوانية " - إذا صح هذا التعبير! - أو بالمصطلح الإسلامي: قيم وأخلاق " إسلامية " وقيم وأخلاق " جاهلية ".
الأسرة هي قاعدة المجتمع الإسلامي:
حين تكون " الأسرة " هي قاعدة المجتمع. وتقوم هذه الأسرة على أساس " التخصص " بين الزوجين في العمل. وتكون رعاية الجيل الناشئ هي أهم وظائف الأسرة .. يكون هذا المجتمع متحضرًا .. ذلك أن الأسرة على هذا النحو - في ظل المنهج الإسلامي - تكون هي البيئة التي تنشأ وتُنَمِّى فيها القيم والأخلاق " الإنسانية " التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة، ممثلة في الجيل الناشئ، والتي يستحيل أن تنشأ في وحدة أخرى غير وحدة الأسرة، فأما حين تكون العلاقات الجنسية (الحرة كما يسمونها) والنسل (غير الشرعي) هي قاعدة المجتمع .. حين تقوم العلاقات بين الجنسين على أساس الهوى والنزوة والانفعال، لا على أساس الواجب والتخصص الوظيفي في الأُسرة وحين تتخلى المرأة عن وظيفتها الأساسية في رعاية الجيل الجديد وتصبح وظيفتها هي الزينة أو الغواية، وتُؤْثِر هي - أو يُؤْثِر لها المجتمع - أن تكون مضيفة في فندق أو سفينة أو طائرة! .. حين تنفق طاقتها في " الإنتاج المادي " و " صناعة الأدوات " ولا تنفقها في " صناعة الإنسانية "! لأن الإنتاج المادي يومئذ أغلى وأعز وأكرم من " الإنتاج الإنساني "، عندئذ يكون هنا هو " التخلف الحضاري " بالقياس الإنساني .. أو تكون هي " الجاهلية " بالمصطلح الإسلامي!
(1) أي التي تميز الإنسان عن الحيوان