الصفحة 29 من 54

وفي المجتمعات الجاهلية الحديثة ينحسر المفموم " الأخلاقي "؛ بحيث يتخلى عن كل ما له علاقة بالتميز " الإنساني " عن الطابع " الحيواني "! ففي هذه المجتمعات لا تعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية - ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة - رذيلة أخلاقية .. إن المفهوم الأخلاقي يكاد ينحصر في المعاملات الاقتصادية - والسياسية أحيانًا في حدود " مصلحة الدولة " - ففضيحة كريستين كيلر وبروفيمو الوزير الإنجليزي - مثلًا - لم تكن في عرف المجتمع الإنجليزي فضيحة بسبب جانبها الجنسي .. إنما كانت فضيحة لأن كريستين كيلر كانت صديقة كذلك للملحق البحري الروسي. ومن هنا يكون هناك خطر على أسرار الدولة في علاقة الوزير بهذه الفتاة! وكذلك لأنه افتضح كذبه على البرلمان الإنجليزي!

العبودية الخالصة لله تحقق في الأرض العمارة والحضارة:

وأخيرًا فإنه حين يقوم " الإنسان " بالخلافة عن " الله " في أرضه على وجهها الصحيح: بأن يخلص عبوديته لله ويخلص من العبودية لغيره، وأن يحقق منهج الله وحده ويرفض الاعتراف بشرعية منهج غيره، وأن يُحَكِّم شريعة الله وحدها في حياته كلها وينكر تحكيم شريعة سواها، وأن يعيش بالقيم والأخلاق التي قررها الله له ويسقط القيم والأخلاق المدعاة. ثم بأن يتعرف بعد ذلك كله إلى النواميس الكونية التي أودعها الله في هذا الكون المادي، ويستخدمها في ترقية الحياة، وفي استنباط خامات الأرض وأرزاقها وأقواتها التي أودعها الله إياها، أي حين ينهض بالخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه، ويستخدم ما تتيحه له كل الخبرات الفنية التي حصل عليها الإنسان في تاريخه كله .. حين يصبح وهو يصنع هذا كله " ربانيًا " يقوم بالخلافة عن الله على هذا النحو - عبادة لله. يومئذ يكون هذا الإنسان كامل الحضارة، ويكون هذا المجتمع قد بلغ قمة الحضارة .. فأما الإبداع المادي - وحده - فلا يسمى في الإسلام حضارة .. فقد يكون وتكون معه الجاهلية .. وقد ذكر الله من هذا الإبداع المادي في معرض وصف الجاهلية نماذج:

{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} . [الشعراء: 128 - 135] .

ولكن الإسلام - كما أسلفنا - لا يحتقر المادة، ولا يحتقرالإبداع المادي، إنما هو يجعل هذا اللون من التقدم - في ظل منهج الله - نعمة من نعم الله على عباده، يبشرهم به جزاء على طاعته:

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ... [الأعراف: 96] .

الحركة في المجتمع الإسلامي مستمرة:

والحركة المستمرة التي يتولد عنها هذا المجتمع ابتداء حركة آتية من خارج النطاق الأرضي، إنها تتمثل في عقيدة آتية من الله للبشر، تنشئ لهم تصورًا خاصًا للوجود والحياة والتاريخ والقيم والغايات، وتحدد لهم منهجًا للعمل يترجم هذا التصور وهذا هو المميز الأول لطبيعة المجتمع الإسلامي وتركيبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت