الصفحة 30 من 54

وبهذا العنصر القدري تبدأ أولى خطوات الحركة في قيام المجتمع الإسلامي، ويبدأ معها عمل " الإنسان " الذي يؤمن العقيدة الآتية له من ذلك المصدر الغيبي، الجارية بقدر الله وحده. وحين يؤمن هذا الإنسان الواحد بهذه العقيدة يبدأ وجود المجتمع الإسلامي (حكمًا) .. إن الإنسان الواحد لن يتلقى هذه العقيدة وينطوي على نفسه .. إنه سينطلق بها .. هذه طبيعتها .. طبيعة الحركة الحية .. إن القوة العليا التي دفعت بها إلى هذا القلب تعلم أنها ستتجاوزه حتمًا! .. إن الدفعة الحية التي وصلت بها هذه العقيدة إلى هذا القلب ستمضي في طريقها قدمًا.

وحين يبلغ المؤمنون بهذه العقيدة ثلاثة نفر، فإن هذه العقيدة ذاتها تقول لهم: أنتم الآن مجتمع، مجتمع إسلامي مستقل، منفصل عن المجتمع الجاهلي الذي لا يدين لهذه العقيدة، ولا تسود فيه قيمها الأساسية - القيم التي أسلفنا الإشارة إليها - وهنا يكون المجتمع الإسلامي قد وُجِدَ (فعلًا) !

والثلاثة يصبحون عشرة، والعشرة يصبحون مائة، والمائة يصبحون ألفًا، والألف يصبحون إثني عشر ألفًا .. ويبرز ويتقرر وجود المجتمع الإسلامي!

وفي الطريق تكون المعركة قد قامت بين المجتمع الوليد الذي انفصل بعقيدته وتصوره وكينونته، عن المجتمع الجاهلي - الذي أخذ منه أفراده - وتكون الحركة من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوجود البارز المستقل قد ميزت كل فرد من أفراد هذا المجتمع، وأعطته وزنه ومكانه في هذا المجتمع - حسب الميزان والاعتبار الإسلامي - ويكون وزنه هذا متعرفًا له به من المجمتع دون أن يزكي نفسه أو يعلن عنه بل إن عقيدته وقيمه السائدة في نفسه وفي مجتمعه لتضغط عليه يومئذ ليوراي نفسه عن الأنظار المتطلعة إليه في البيئة!

ولكن " الحركة " التي هي طابع العقيدة الإسلامية، وطابع هذا المجتمع الذي انبثق منها، لا تدع أحدًا يتوارى! إن كل فرد من أفراد هذا المجتمع لا بد أن يتحرك! الحركة في عقيدته، والحركة في دمه، والحركة في مجتمعه، وفي تكوين هذا المجتمع العضوي .. إن الجاهلية من حوله، وبقية من رواسبها في نفسه وفي نفوس من حوله، والمعركة مستمرة، والجهاد ماض إلى يوم القيامة.

على إيقاعات الحركة، وفي أثناء الحركة، يتحدد وضع كل فرد في هذا المجتمع، وتتحدد وظيفته.

تكوين المجتمع الإسلامي (وهو المجتمع الحضاري) ممكن في كل الأزمان:

إن المجتمع الإسلامي - كما يبدو من تعرفينا المستقل للحضارة - ليس مجرد صورة تاريخية، يبحث عنها في ذكريات الماضي، إنما هو طلبة الحاضر وأمل المستقبل. إنه هدف يمكن أن تستشرفه البشرية كلها اليوم وغذًا، لترتفع به من وهدة الجاهلية التي تتردى فيها، سواء في هذه الجاهلية الأمم المتقدمة صناعيًا واقتصاديًا والأمم المتخلفة أيضًا.

إن تلك القيم التي أشرنا إليها إجمالًا هي قيم إنسانية، لم تبلغها الإنسانية إلا في فترة " الحضارة الإسلامية "، وهذه القيم ليست " مثالية خيالية " إنما هي قيم واقعية عملية، يمكن تحقيقها بالجهد البشري - في ظل المفهومات الإسلامية الصحيحة -، يمكن تحقيقها في كل بيئة بغض النظر عن نوع الحياة السائدة فيها، وعن تقدمها الصناعي والاقتصادي والعلمي، إن الحضارة يمكن أن تقوم في كل مكان وفي كل بيئة تقوم بهذه القيم. أما أشكالها المادية التي تتخذها فلا حد لها، لأنها في كل بيئة تستخدم المقدرات الموجودة بها فعلًا وتنميها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت