الصفحة 29 من 37

الأول: ما يخرج مخرج الذم بدون قصد الحكم، ففي"صحيح مسلم"وغيره من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّي قَدْ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً، وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"فأراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن ينبّه أمّته أن لا يحملوا ما يصدر عن الناس من الجرح حال الغضب على ظاهره جزما.

فكذلك ينبغي لأهل العلم أن لا ينقلوا كلمات العلماء عند الغضب بل قد يُقَال: لو فُرِضَ أن العالم قصد عند غضبه الحكم، لكان ينبغي أن لا يُعتدَّ بذلك حكمًا ففي"الصحيحين"وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال:"لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ". والحكم في العلماء والرواة يحتاج إلى نظر وتدبر وتثبت أشدّ مما يحتاج إليه الحكم في كثير من الخصومات فقد تكون الخصومة في عشرة دراهم فلا يُخْشى من الحكم فيها عند الغضب إلاّ تفويت عشرة دراهم فأمّا الحكم على العالم أو الراوي فيُخْشى منه تفويت علم كثير، وأحاديث كثيرة ولو لم يكن إلا حديثا واحدًا لكان عظيما. [1]

ومما يخرج مخرج الذم لا مخرج الحكم ما يقصد به الموعظة والنصيحة، وذلك كأن يبلغ العالم عن صاحبه ما يكرهه له فيذمه في وجهه، أو بحضرة من يبلغه، رجاء أن يكفَّ عما يكرهه له، وربّما يأتي بكلمة ليست بكذب ولكنها خشنة موحشة بقصد الإبلاغ في النصيحة ككلمات الثوري في الحسن بن صالح بن حي، وربّما يكون الأمر الذي أنكره أمرًا لا بأس به بل قد يكون خيرًا، ولكن يُخْشى أن يجر إلى ما يكره كالدخول على السلطان، وولاية أموال اليتامى، وولاية القضاء، والإكثار من الفتوى، وقد يكون مذموما وصاحبه معذور، ولكن الناصح يحبّ لصاحبه أن يعاود النظر، أو يحتال، أو يُخْفي ذلك الأمر، وقد يكون المقصود نصيحة الناس لئلا يقعوا في ذلك الأمر، إذ قد يكون لمن وقع منه أوّلا عذر ولكن يُخشى أن يتبعه الناس فيه غير معذورين.

هذا والعارف المتثبت المتحري للحق لا يخفى عليه إن شاء الله تعالى ما يحقه أن يُعَد من هذا الضرب مما حقه أن يُعَد من الضرب الآتي، وإن ما كان من هذا الضرب فحقه أن لا يُعْتَد به على المتكلَّم عليه، ولا على المتكلم، والله الموفق.

الوجه الثاني: ما يصدر على وجه الحكم، فهذا إنّما يُخْشى فيه الخطأ، وأئمة الحديث عارفون، متبحرون، متيقظون، يتحرزون من الخطأ جهدهم، لكنهم متفاوتون في ذلك، ومهما بلغ الحاكم من التحري فإنه لا يبلغ أن تكون أحكامه كلها مطابقة لما في نفس الأمر ... فمن المحتمل أن يشتبه عليك رجل بآخر فترى أن المخبر فلان، وإنما هو غيره، وأن يشتبه عليك خبر آخر، إنما سمعت من فلان خبرًا آخر، فأما هذا الخبر فإنما سمعته من غيره، وأن تخطئ في فهم المعنى، أو في ظنه أنّه باطل إلى غير ذلك.

(1) - فكيف بالكلام في المجاهدين في سبيل الله؟، فالكلام فيهم تثبيط الناس عن الجهاد، وتخذيل للمجاهدين، وتقوية للكفار والمرتدين، مآل ذلك تعطيل الشرع، وتضييع الأواطن، والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت