غالب الأحكام إنما تبنى على غلبَة الظن، والظن قد يخطئ، والظنون تتفاوت، فمن الظنون المعتد بها بما له ضابط شرعي، كخبر الثقة، ومنها ما ضابطه أن تطمئن إليه نفس العارف المتوقي المتثبت بحيث يجزم بالإخبار بمقتضاه طيّب النفس منشرح الصدر: فمن الناس من يغتر بالظن الضعيف فيجزم، وهذا هو الذي يطعن أئمة الحديث في حفظه وضبطه، فيقولون: يحدّث على التوهم - كثير الوهم - كثير الخطأ - يهم - يخطئ.
[كما أنه قد يكون الجرح من قبيل قدح الساخط] : فإذا سبق إلى نفس الإنسان أمر - وإن كان ضعيفا عنده - ثم اطلع على ما يحتمل موافقة ذلك السابق، ويحتمل خلافه، فإنه يترجح في نفسه ما يوافق السابق، وقد يَقوى ذلك في النفس جدًّا وإن كان ضعيفًا، وهكذا إن كانت نفس الإنسان تهوى أمرًا فاطلع على ما يحتمل ما يوافقه وما يخالفه فإنّ نفسه تميل إلى ما يوافق هواها: والعقل كثيرا ما يحتاج إلى النظر في المحتملات والمتعارضات إلى إستفتاء النفس لمعرفة الراجح عندها، وربّما يشتبه على الإنسان ما تقضي به نفسه بما يقضي به عقله، فالنفس بمنزلة المحامي عندما تميل إليه، ثم قد تكون هي الشاهد، وهي الحاكم، والعالم إذا سخط على صاحبه فإنما يكون سخطه لأمر ينكره فيسبق إلى النفس ذاك الإنكار، وتهوى ما يناسبه، ثم تتبع ما يشاكله وتميل عند الإحتمال والتعارض إلى ما يوافقه، فلا يُؤمَن أن يقوى عند العالم جرح من هو ساخط عليه لأمر لولاه - أي هذا السخط - لعلم أنه لا يوجب الجرح. انتهى
ولهذا قال الحافظ ابن حجر في"لسان الميزان" [1] :"وممّن ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الإختلاف في الإعتقاد ... ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب فكثيرا ما يقع بين العصريين الإختلاف والتباين لهذا وغيره فكل هذا ينبغي أن يتأنى فيه ويتأمل. انتهى"
عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ أَوْ يُعِينُ عَلَى ظُلْمٍ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ" [2] .
4 -ينبغي أن يبحث عن معرفة الجارح بمن جرّحه، فإنّ المجرّح لا يقتصر على الكلام فيمن طالت مجالسته له، وتمكنت معرفته به، بل قد يتكلم عمَّا بلغه عنه إعتمادًا على أشياء كتبها، أو أمورٍ منقولة - راجع في ذلك القواعد التي مرّت -.
قال ابن عمّار في إبراهيم بن طهمان: ضعيف مضطرب الحديث، فبلغ ذلك صالح بن محمد الحافظ الملقب"جزرة"فقال: ابن عمار من أين يعرف إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة ... والغلط فيه من غير إبراهيم.
(1) - وراجع لزاما فصل حكم قول العلماء بعضهم في بعض من كتاب جامع بيان العلم وفضله للإمام إبن عبد البرّ.
(2) - أخرجه ابن ماجه (2320) وأبو داود (3598) ، وانظر"الصحيحة" (2021) .